مقالات

أين نحن من خُلق الرضا؟

إنّ الرضا بقضاء الله تعالى على عباده، والتسليم به، مِن أعلى درجات الإيمان التي تُجسِّد العبوديّة الحَقَّة واليقينَ المطلق بالغيب وبالحكمة التي لا يعلمُها إلّا الله، وبها وحدها يَستغني الإنسان عمّا في أيْدي الناس.

معنى الرضا بقضاء الله وقَدَرِه
عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) سائلاً جبرائيل عن الله تعالى: «… قلتُ: فما تفسير الرضا؟ قال: الراضي لا يَسخط على سيّدِه، أصابَ مِن الدنيا أم لَم يُصِبْ، ولا يرضى لنفسه باليسير مِن العمل»[1].

عن الإمام الصادق (عليه السلام): «إنّ أعلمَ الناس بالله، أرضاهُم بقضاء الله»[2].

وعنه (عليه السلام): «اعلَموا أنّه لن يؤمن عبدٌ مِن عبيده حتّى يرضى عن الله في ما صنعَ الله إليه وصنَع به، على ما أَحَبَّ وكرِه»[3].

وَوَرَد عن الإمام الباقر (عليه السلام) في تفسير قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَينَهُم ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِم حَرَجا مِّمَّا قَضَيتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسلِيما﴾[4]: «التسليم والرضا، والقنوع بقضائه»[5].

وكما يظهر، فإنّ هذه الآية تتحدّث عن ثلاث مراتب للرضا:
الأولى: تحكيم الرسول (صلى الله عليه وآله) في كلّ نزاعٍ أو شِجارٍ أو خلاف.
الثانية: القبول بِحُكمه وعدم الحَرَج به، أيْ خُلُوّ النفْس مِن أيّ حُكْم مُسبق، بل تكون الغاية معرفة الحُكم لِتطبيقه فقط.
الثالثة: التسليم والرضا المُطلقَيْن بِهذا الحُكم.

ومِن شواهد التسليم المُطلق والرضا بِقضائه، ما وَرَد في قصّة نبي الله إبراهيم ووَلدِه النبي إسماعيل (عليهما السلام) في القرآن الكريم، حيث نرى التسليم المُطلق والرضا بالأمر الإلهيّ عند نبيّ الله إبراهيم (عليه السلام) عندما أمَرَه الله بِذَبح وَلده، وكذلك التسليم المُطلق والرضا عند نبيّ الله إسماعيل (عليه السلام) بِقبوله امتثال الأمرِ من دون تردُّد أو خوف أو تشكيك، وقد بيّنها الله تعالى بقوله: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعيَ قَالَ يَٰبُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي ٱلمَنَامِ أَنِّي أَذبَحُكَ فَٱنظُر مَاذَا تَرَىٰ قَالَ يَٰأَبَتِ ٱفعَل مَا تُؤمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّٰبِرِينَ﴾[6].

منزِلة الرضا
الرضا مِن أعلى درجات القُرْب، فقد ورد عن الإمام زين العابدين (عليه السلام): «أعلى درجةِ الزُهد أدنى درجةِ الوَرع، وأعلى درجةِ الورع أدنى درجةِ اليقين، وأعلى درجةِ اليقين أدنى درجةِ الرضا»[7].

وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله): «إذا أَحبَّ الله عبداً ابتلاه، فإنْ صبرَ اجتباه، وإنْ رَضِيَ اصطفاه»[8].

وممّا جاء في دعاءٍ لقضاء حوائجِ الدنيا والآخرة: «اللهمّ مُنَّ عَلَيَّ بالتوكُّل عليك، والتفويض إليك، والرضا بِقدَرك، والتسليم لأمرِك، حتّى لا أُحِبَّ تعجيلَ ما أخّرْت، ولا تأخيرَ ما عجّلْت، يا أرحم الراحمين»[9].

القضاء الإلهيّ بين الرضا به أو السخط به
عن الإمام الصادق (عليه السلام): «مَن رضِيَ القضاء أتى عليه القضاء وهو مأجور، ومَن سخِطَ القضاء أتى عليه القضاء وأحبطَ الله أجرَه»[10].

وعنه (عليه السلام): «مَن لمْ يَرْضَ بما قسمَ اللهُ عزّ وجلّ، اتَّهَمَ اللهَ في قضائه»[11].

زاد المبلّغ في شهر الله – الجزء الأوّل، مركز المعارف للتأليف والتحقيق

[1]  الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، ج15، ص194.
[2]  الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج2، ص60.
[3]  الشيخ محمّد الريشهريّ، ميزان الحكمة، ج1، ص193.
[4] سورة النساء، الآية 65.
[5]  الشيخ محمّد الريشهريّ، ميزان الحكمة، ج2، ص1093.
[6] سورة الصافات، الآية 102.
[7]  الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج2، ص62.
[8] الميرزا النوريّ، مستدرك الوسائل، ج2، ص427.
[9]  الشيخ الطوسيّ، مصباح المتهجِّد وسلاح المتعبِّد، ص72.
[10]  الشيخ محمّد الريشهريّ، ميزان الحكمة، ج2، ص1095.
[11]  الشيخ هادي النجفيّ، موسوعة أحاديث أهل البيت (عليهم السلام)، ج1، ص113.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى