مقالات

تنزيه من عاش صائما وقائماً .. عن أن يبول قائماً

▪عدنان الجنيد

من المعلوم قطعاً بأن النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – منزه عن كل مايتنافى مع أخلاقه العظيمة وآدابه الكريمة ، لأنه كامل في أخلاقه وآدابه ، ومن كان كذلك فكيف تنسب إليه العيوب والنقائص !!
من هذه الروايات التي تتنافى مع آدابه السامية ، وأخلاقه العالية ، ماجاء عن حذيفة قال: «أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم سباطة(1) قوم فبال قائماً، ثمَّ دعا بماء فجئته فتوضأ”(2)
قلت : هذا الحديث مردود لا يقبله العقل السليم، وهو مخالف للآداب السامية الرفيعة، والأخلاق النبيلة المليحة، فالحبيب الأعظم – صلى الله عليه وآله وسلم – مشرِّع لأمته في جميع أعماله وأفعاله، ونحن مأمورون بالاقتداء به، وحاشاه – صلى الله عليه وآله وسلم – أن يصدر منه هذا الفعل المستهجن عمله عند العرف العام؛ لأنه – عليه وآله الصلاة والسلام – مُنـزه عن كل ما يتنافى مع المروءة والأخلاق، كيف لا والملك الخلاَّق قال في حقه: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)[القلم : 4]، فلا شك أنَّ الله سبحانه وتعالى يطالبنا بتنـزيهه وتقديسه، وعدم قبول المطاعن فيه، ولذلك نحن وكل المسلمين مطالبون بطرح كلِّ ما يتعارض مع عصمته أو ما يمسّ شخصه الكريم من قريب أو بعيد. ووالله الذي”لا إله إلا هو”أنَّ الإنسان المؤمن المحمدي ليذوب خجلاً وحياءً من أن يُنسب إليه البول قائماً، فكيف يرضاهُ لنبيَّه – صلى الله عليه وآله وسلم -، الذي أرسله الله سبحانه وتعالى إلى الخلق ليعلِّمهم الآداب والأخلاق والفضائل، وينهاهم عن قبائح الأعمال وخوارم المروءة والرذائل.
هذا وقد جاء حشدٌ هائل من الأحاديث ناسفاً لهذه الرواية، مبيناً طرق الهداية، صادعاً بالقول الفصل والنهاية، فمن هذه الأحاديث ما رواه الترمذي، والنسائي(3) والحاكم والبيهقي، وأحمد بن عيسى في «أماليه» عن السيدة عائشة رضي الله عنها، قالت: «من حدثكم أن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كان يبول قائماً فلا تصدقوه، ما كان يبول إلا قاعداً»، وقال الترمذي: هو أحسن شيء في هذا الباب وأصحه.
فانظروا بعين الإنصاف إلى حديث السيدة عائشة – رضي الله عنها -، وكيف ردَّت على من قال بأنَّ رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – بال قائماً؛ لأنها لم ترهُ – صلى الله عليه وآله وسلم – يبول إلاَّ قاعداً، أو أنَّه أخبرها بذلك، فكان ذلك من اليقينات عندها.
ومن حدَّث أنَّهُ بال قائماً فقد جرَّحَتُهُ، ولا يمكن للسيدة عائشة – رضي الله عنها – أن ترمي غيرها بالكذب بأمرٍ لم تعلمه فهي زوج الرسول وتعرف ما تقول.
وروى الترمذي(4) وابن ماجه، والبيهقي عن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – قال: «رآني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنا أبول قائماً، فقال: يا عمر لا تبل قائماً، قال: فما بلت قائماً بعد».
قلتُ: وهل يعقل أنَّ الرسول – صلى الله عليه وآله وسلم – ينهى عن فعل ويُحلَّه لنفسه ؟!! هذا لا يقوله عاقل.
فالبول قائماً من علامة الجفا، وهو يتنافى مع أخلاق المصطفى، ففي «الجامع الصغير» للسيوطي عن بريدة عن النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – أنه قال: «ثلاث من الجفا: أن يبول الرجل قائماً، أو يمسح جبهته قبل أن يقوم من صلاته، أو ينفخ في سجوده»، رواه البزار، ولقد كان أحد قضاة التابعين(5) لا يقبل شهادة من بال قائماً، وذلك لأنه كان يرى ذلك الفعل مخالفاً للأخلاق والمروءة.
وذكر الإمام القاسم عليه السلام في «الاعتصام»(6)
* أحاديث تنفي حديث البول قائماً :
منها: ما أخرجه أبو داود عن عبدالرحمن بن حسنة عن أبي موسى قال: خرج علينا رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – وفي يده كهيئة الدرقة، فوضعها، ثم جلس خلفها، فبال إليها، فقال بعض القوم: انظروا كيف يبول كما تبول المرأة، فسمعه فقال: «أو ما علمت ما أصاب صاحب بني إسرائيل؟ كانوا إذا أصابهم شيء من البول قرضوه بالمقاريض فنهاهم صاحبهم فعذب في قبره».
وفي «الشفا»:نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يبول الرجل قائماً “.
وقد أورد الشوكاني في كتابه «نيل الأوطار”(7) حديثاً ما نصه: وقد روي عن عبدالله بن مسعود أنه قال: “من الجفا، أن يبول الرجل قائماً “، ثم علَّق عليه قائلاً :”والحديث يدل على أن رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – ما كان يبول حال القيام، بل كان هديه في البول القعود، فيكون البول حال القيام مكروهاً”.
* الرد على من يُضِّعف حديث عائشة – رضي الله عنها -:
وجدت جماعة ممن ينسبون أنفسهم إلى السلف الصالح ـ يُضِّعفون حديث عائشة – رضي الله عنها – مُستندين إلى ما قالهُ الألباني في تعليقه على”مشكاة المصابيح”فقد قال ـ في حديث عائشة – رضي الله عنها ـ بأنَّ إسناده ضعيف … إلخ.
نقول لهم: – هداهم الله -:
إنَّ الشيخ محمد ناصر الألباني – الذي تعتمدون عليه في تصحيح الأحاديث – قد رجع عن قوله ذلك واعترف بخطئه، وأقرَّ بصحة حديث عائشة – رضي الله عنها- ، فقد قال في كتابه «الأحاديث الصحيحة»(8) بعد أن أورد حديث عائشة رضي الله عنها: «من حدثكم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يبول قائماً فلا تصدقوه، ما كان يبول إلا قاعداً» ـ قال ما نصه: (أخرج النسائي(9)، والترمذي(10)، وابن ماجه(11)، والطيالسي(12) من ترتيبه”كلهم عن شريك بن المقدام عن شريح عن أبيه عن عائشة قالت: … فذكره. وقال الترمذي:”حديث عائشة أحسن شيء في الباب وأصح”.
قلتُ: … وهذا ليس معناه تحسين الحديث، بل تصحيحه كما هو معروف في علم المصطلح، وكأن ذلك لضعف شريك القاضي، ولكنه لم ينفرد به، بل تابعه سفيان الثوري عن المقدام بن شريح به.
أخرجه أبو عوانة في «صحيحه»(13) ، والحاكم(14)، والبيهقي(15) ، وأحمد(16)، من طرق سفيان به، وقال الحاكم:”صحيح على شرط الشيخين”، ووافقه الذهبي وفيه نظر، فإن المقدام بن شريح وأبوه لم يحتج بهما البخاري فهو على شرط مسلم وحده، وقال الذهبي في «المهذب»(17) “سنده صحيح”… إلى أن قال:”فتبين أن الحديث صحيح بهذه المتابعة”، وقد خفيت على الترمذي فلم يصحح الحديث، وليس ذلك غريباً ولكن الغريب أن يخفى ذلك على غير واحد من الحُفَّاظ المتأخرين أمثال العراقي والسيوطي ـ وغيرهما، فأعلاَّ الحديث بشريك وردا على الحاكم في تصحيحه إياه، متوهمين أنه عنده من طريقه، وليس كذلك كما عرفت، وكنت أغتررت بكلامهم هذا لـمَّا وضعت التعليق على”مشكاة المصابيح”وكان تعليقاً سريعاً اقتضته ظروف خاصة لم تساعدنا على استقصاء طرق الحديث كما هي عادتنا، فقلتُ: في هذا التعليق على هذا الحديث من «المشكاة»(18): “وإسناده ضعيف فيه شريك، وهو ابن عبدالله القاضي هو سيء الحفظ”.
والآن أجزم بصحة الحديث للمتابعة المذكورة، ونسأل الله عزّ وجل أن لا يؤاخذنا بتقصيرنا ” إه.
* من علامات جرح الرواي بوله قائماً:
إن علماء”الجرح والتعديل”يعدُّون البول قائماً من الأسباب التي تؤدي إلى جرح الراوي، فقد ذكر الخطيب البغدادي في كتابه «الكفاية»(19):”أسباب الجرح قال: ” ومنها -أي من أسباب الجرح-: أنه رأى جرير بن عبدالحميد الضبي الكوفي ـ سماك بن حرب يبول قائماً فتركه ” إه.
قلت: فإذا كان ذلك كذلك، فكيف ينسبون البول قائماً إلى النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – وهو من أسباب جرح الرواي ؟!!! كذلك النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – جاء لطمس العيوب، فكيف تنسب إليه؟!! بل كيف تنسب النقائص لمن جاء بالكمال ؟! أم كيف تنسب الرذائل لمن جاء بالفضائل ؟! فاعتبروا يا أولي الأبصار..
فإن قال قائل: إذا كنتُ مريضاً ولم أستطع البول قاعداً لوجع شديد في ركبتي، فهل يجوز لي البول قائماً؟ فنقول: نحن لسنا في هذا الصَّدد، وما ذكرناه آنفاً هو نفي البول قائماً عن النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – لأنه مخالفٌ لآدابه وأخلاقه ولا يليق بقداسته العظيمة، أمَّا غيره من عوام الناس أصحاب الأعذار فلا ضير في ذلك.
* الوجوه التي اختلقوها في أسباب بوله قائماً:
لـمَّا رأى الفقهاء أن البول قائماً لا يمكن أن يصدر من النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – عمدوا إلى ذكر أسباب واهية تبريراً لهذا الفعل المستهجن..
وهذه التبريرات التي سيأتي ذكرها هي اختراع من ذات أنفسهم؛ إذ لم نجد أي رواية-سواء صحيحة أو موضوعة-جاءت تبرر البول قائماً بمرض أو بغيره…
فمن هذه الوجوه التي ذكروها قولهم إنه -صلى الله عليه وآله وسلم – بال قائماً؛ لأنه لم يجد للقعود مكاناً، فاضطرَّ إلى القيام؛ إذ كان ما يليه من طرف السباطة مرتفعاً عالياً.
ومنها أنَّه كان برجله جُرحٌ لم يتمكن من القعود معه. ومنهم من قال: سبب بوله قائماً لجرح بمأبضه -أي باطن ركبته- ومن قائلٍ أنَّهُ كان به وجع الصلب.
وهناك وجوه ذكروها يستحي المسلم العامي أن يذكرها فضلاً عن المؤمن العارف، منها قولهم: بال قائماً لأنها حالة يؤمن معها خروج الريح بصوت، ففعل ذلك لكونه قريباً من الديار (كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا) .
ناشدتكم الله ربَّ العالمين: هل يجوز ديناً أو يسوغ مروءة قبول هذه الأسباب من أجل أن نثبت البول قائماً لحبيب الأحباب وفصل الخطاب وترجمان الكتاب؟ والذي كان لا يغفل طرفة عين عن حضرة الملك الوهاب (وَالله الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ).
……………………………….
الهوامش:

– (1)السُباطة : بمهملة مضمومة بعدها موحدة هي المزبلة والكناسة تُطرح بأفنية البيوت. (القاموس المحيط) [ ج1/ص903 ]، للفيروز أبادي.. ( بتصرف).
– (2) صحيح البخاري [3/74] رقم (224) باب 🙁 البول قائماً وقاعداً ) بشرح الكرماني ط/أولى 1356هـ، ط/ثانية 1401هـ.
قلت : وهناك روايات أخرى في كتاب البخاري بنفس المعنى، وقد اكتفينا بإيراد هذه الرواية للرّد عليها
(3)  أخرجه النسائي في الطهارة “باب البول في البيت جالساً” [1/26] والترمذي في الطهارة “باب ما جاء في النهي عن البول قائماً” والحاكم في «المستدرك» [1/181]، والبيهقي في «السنن الكبرى» في الطهارة { باب البول قاعداً } ج1، وأبو عوانة في مسنده { باب إيثار ترك البول  قائماً } ج1.
(4)  أخرجه الترمذي في الطهارة “باب ما جاء في النهي عن البول قائماً ” [1/17]، وابن ماجه في الطهارة ” باب في البول قاعداً” والبيهقي في «السنن الكبرى»: [1/202].
– (5) هو إبراهيم بن سعد، وهو من التابعين وكان قاضياً. انظر: ” تهذيب التهذيب ” لابن حجر الجزء الأول.
– (6)  كتاب (الاعتصام بحبل الله المتين ) للإمام القاسم عليه السلام، المجلد الأول ص194ـ195ط/1403هـ.
– (7)   (نيل الأوطار ) للشوكاني : 1/88، (باب ما جاء في البول قائماً )
– (8) « الأحاديث الصحيحة »: (ج3/ص1-2).
– (9) « سنن النسائي»: (1/11).
– (10) « سنن الترمذي»:(1/17).
– (11) « سنن ابن ماجه»: (1/130).
– (12) « مسند الطيالسي »: (1/45).
– (13) (1/198).
– (14) « المستدرك »: (1/181).
– (15) « السنن الكبرى »: (1/101).
– (16) « مسند أحمد »: (1/136، 192، 213).
– (17) (1/22/2).
– (18) (ص365).
-(19)(ص110-114).
🔅من ارشيف 2000م
#المركزالاعلامي لملتقى التصوف

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق