آثار يمانية

جامع الملكة أروى بنت أحمد الصليحي التاريخي

آثار الدولة الصليحية

تصافح روحك بهجة الإيمان حال وصولك إلى عتبات مدينة النهرين برؤية بياضه المتوهج وعمارته الباذخة وتاريخه المشرق.. ذاك جامع السيدة نسبةً لآخر ملكات اليمن السيدة أروى بنت أحمد الصليحي،التي تولت حكم الدولة الصليحية في اليمن للفترة من ( 532 – 477 هجرية ) – ( 1085 – 1138 ميلادية ) ووعندما أنتقلت الملكة أروى إلى مدينة جبلة عام ( 480 هجرية ) – ( 1087 ميلادية ) أمرت بتشييده في معقلها وكرسي حكمها، مدينة جبلة عاصمة الدولة الصليحية الإسماعيلية، إحدى كبريات الدول الإسلامية المستقلة التي قامت في اليمن ودانت بالطاعة للخلافة الفاطمية. و مازال الجامع الى اليوم قائما ً ومحتفظا ً بعناصره المعمارية والزخرفية التي يتبين من خلالها مدى تأثيره بأنماط العمارة الفاطمية نتيجة العلاقات الطيبة التي كانت بين الدولة الصليحية باليمن والدولة الفاطمية في مصر .

كان هذا الجامع في الأصل هو مبنى قصر الحكم دار العز الأولى في جبلة. وفي العام 480ه (1087م)، وقبيل وفاة المكرم بعام واحد، رأت الملكة أروى أن تجعل للمدينة مسجداً جامعاً، فأمرت بتحويل هذه الدار منبراً للأذان وللجمعة والعزاء والعيدين كما يأتي في الشريط الكتابي على الجانب الأيمن لضريحها الذي أشرفت الملكة أروى بنفسها على تشييده في مبنى ملحق بالجامع أيسر القبلة، وأوصت بأن تدفن فيه.

درج الألف

يعتلي الجامع إحدى سبع رُبى في جِبْلة تدعى رابية ذي أور، ويقع على مساحة إجمالية تبلغ حوالي 510 أمتار مربعة. وهو مستطيل الشكل يتكون من بيت الصلاة وفناء (صحن) مكشوف يتوسط الجامع ويشغل 356 متراً مربعاً، وتحيط به أربعة أروقة أهمها الرواق الشمالي الذي يفصل بين الفناء وبيت الصلاة في الجهة الشمالية، ومئذنتان، ومكتبة ومعلامة (مدرسة)، وضريح الملكة أروى، ومطاهر الوضوء.

بنيت قاعدتا المئذنتين من الحجر وبنيت بقية الأجزاء من الآجر. وتنتصب الأولى عند الزاوية الجنوبية الشرقية، والثانية في الزاوية الجنوبية الغربية للجامع. وقد بنيتا في تاريخين مختلفين، فالمئذنة الغربية يُرجعها بعض الباحثين إلى القرن الخامس الهجري، وتتشح بياض الجص بكاملها. بينما المئذنة الشرقية ترجع إلى القرن السابع، ويتألف بدنها من 16 ضلعاً وحظيت بزخارف أكثر وأدق، تصطبغ باللون الأبيض والأحمر.

وللجامع سبعة مداخل، ثلاثة منها تفتح في الواجهة الشرقية، واثنان في الواجهة الجنوبية، ومدخل واحد في الواجهة الغربية ومدخل في الواجهة الشمالية. وتعلو بعض هذه المداخل النقوش الكتابية القرآنية، مثل ما تقرأه على عتبات مداخل الواجهة الغربية: (بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين، إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين).

يرتبط المدخل الرئيسي في الواجهة الشرقية المطلة على سوق المدينة، بسلم بني من الحجر، يسميه الأهالي درج الألف باعتبار أنه يتكون من خمسين درجة وكل درجة تتراص عرضاً بعشرين حجراً محكمة التصميم، ما يجعل السلم مكوناً من ألف حجر. لم نقم بعد الحجارة حجراً حجراً، لكن هذا ما يتداوله أهالي جبلة، مثلما يتداولون حكاية سبحة الملكة أروى ذات الألف حبة على أركان ضريحها، أيسر القبلة.

وقد صُنعت جميع أبواب الجامع من خشب الطُنب وطرزت بزخارف نباتية عتيقة، وكتابات منها أنعمت فزد، أنعمت فلك الحمد و(بسم الله الرحمن الرحيم ادخلوها بسلام آمنين). وبيت الصلاة يتكون من أربعة صفوف من الأعمدة والدعامات، يتباين عددها في كل صف ويبلغ إجمالاً 11 دعامة و92 عموداً بعضها ترتفع بأشكال مثمنة، وبعضها الآخر مستطيلة الأشكال، فيما تيجان هذه الأعمدة متنوعة ما بين مستطيلة ومربعة.

أما محراب بيت الصلاة فعبارة عن تجويف بعمق 85 سم في منتصف الجدار الشمالي لرواق القبلة، يعلوه عقد (طاقية) مدبب محمول على عمودين يحيط بهما عمودان أكثر سمكاً يرتكز عليهما عقد مدبب. وتغطي الزخارف الهندسية والنباتية والكتابية تجويف المحراب وواجهات عقوده والأعمدة التي تكتنفه من الجانبين، فيدور شريط كتابي محاط بشريط زخارف نباتية متداخلة تتمثل في أوراق العنب، مشكلاً إطاراً مستطيلاً للمحراب.

تقرأ في الشريط الكتابي للمحراب كتابة بالخط الكوفي نصها: (بسم الله الرحمن الرحيم أقبل على ربك وكن من الساجدين ولا تكن من الغافلين وأعبد ربك حتى يأتيك اليقين). وللمحراب خزانة تسمى المحارة، وتم مؤخراً ترميمه وتجديد ألوان زخارفه، وعلى يمين المحراب يقف منبر مصنوع من الخشب، ومُطرز بزخارف هندسية ونباتية ملونة، ويؤدي مدخله إلى سلم صاعد من عشر درجات تنتهي بمقعد جلسة الخطيب.

مصندقات زخرفية

ومايزال سقف بيت الصلاة محتفظاً ببقايا مصندقاته الخشبية الزخرفية المشابهة لمصندقات أسقف الجامع الكبير بصنعاء التي أحدثتها توسعة الملكة أروى للجامع في القرن الخامس الهجري. وتتوزع زخارف سقف جامع جبلة إلى مناطق زخرفية، في كل منطقة ثلاث مصندقات. ويرى أستاذ فنون العمارة الإسلامية في جامعة صنعاء د. محمد علي العروسي، أن هذه الزخارف رائعة إجمالاً، رغم ظهور أشكال زخرفية بعضها يتكرر.

ويذكر د. العروسي من هذه الأشكال الزخرفية: النجمة ثمانية الأضلاع فيعتبر تكوينها ثرياً، إذ تحتوي بداخلها على مربعات ومثلثات متشابكة ودوائر صغيرة، وتحيط بالنجمة زخرفة نباتية عبارة عن أوراق ثلاثية وأشكال الورود وأوراق الأكانتس وأشرطة من الزخارف الحلزونية والتشابكات الهندسية، وقد استخدم اللون الذهبي والبني والأزرق الفاتح والأبيض والأسود في تنفيذ هذه الزخارف الرائعة. وجددت عام 1358ه.

يشغل هذا الرواق (الشمالي) المساحة الأكبر بين أروقة الجامع. فهو يمتد من الشرق إلى الغرب، وله خمسة مداخل بالضلع الجنوبي. وهو مؤلف من أربع بلاطات تتكون من أربعة صفوف من الأعمدة، تتركز عليها عقود مدببة تحمل السقف. وينتهي جدار الواجهة الجنوبية لهذا الرواق من أعلى بزخارف هندسية عبارة عن شرفات متدرجة بخمسة مستويات مُقامة على قواعد مرتفعة. وتغطي قبة صغيرة، المساحة بينه وبيت الصلاة.

مدرسة لتعليم القرآن

يتكون الرواق الشرقي من بلاطتين بكل منهما ثمانية أعمدة ترتكز عليها عقود مدببة. والرواق الجنوبي بلاطة واحدة تتألف من سبعة أعمدة، وفي ضلعه الجنوبي يفتح على مطاهر الوضوء بمدخلين. فيما الرواق الغربي من بلاطتين، الأولى تطل على الفناء بوساطة ثمانية أعمدة، والثانية تتألف من خمسة أعمدة تحتل الجزء الشمالي للرواق، وفي زاويته الجنوبية مع الجهة الشرقية للرواق الجنوبي، توجد ردهة ماتزال تستخدم مدرسة.

عُرفت هذه المدرسة باسم المعلامة (كُتاب) وخصصت لتعليم قراءة وتجويد القرآن الكريم وتفسيره. وتجاورها مكتبة الجامع التي مازالت تحوي مصاحف يصل عمر بعضها إلى 700 عام، ومخطوطات في مختلف العلوم والمعارف ولايزال بعضها يتضمن هوامش وتعليقات بخط الملكة أروى التي وصفها المؤرخون بأنها كانت على جانب كبير من الأخلاق وجمال الخلقة، جهورية الصوت، قارئة، كاتبة، تحفظ الأخبار والأشعار والتواريخ وأيام العرب.


الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق