مقالات

قبسات جوادية

أكملت دراستي الأكاديمية في الجامعة وتصصت بالتاريخ الإسلامي, ولم أجد لأهل البيت (عليهم السلام) إلا شيئاً يسير جداً لا يصل مقدار عشر من سيرتهم أو أمجادهم وما حققوه من انجازات عظيمة وما بينوه من علوم مختلفة أنقذت الأمة آنذاك من الضياع والانحراف.

قررت أن أبحث وأبحر في مناجم تلك السير العطرة والعلوم الثّرة واستعين بأمهات الكتب والعلماء من أصحاب السماحة والدين,

وعندما قرأت عنهم (عليهم السلام) واطلّعت على بعض من سيرتهم, شدّني الإمام التاسع محمد الجواد (عليه السلام) واخترته أنموذجاً للبحث لغزارة علمه رغم صغر سنه, وأردت أن أتعرف أكثر على شخصيته العظيمة من خلال أحاديثه الشريفة وفكره النيّر, فذهبت إلى شيخ جليل من أحد علماء الحوزة العلمية وقلت له: يا شيخنا بعد التوكل على الله ويقيني بأنه تعالى سيوفقني في بحثي هذا عن الإمام الجواد (عليه السلام) لجأت إليكِ لأسألك عدة مسائل راغباً في مساعدتك, بعدما رحّب بالفكرة رّد عليّ بحديث مروي عنه (عليه السلام): (الثقة بالله تعالى ثمن لكلِّ غالٍ، وسُلّم إلى كلِّ عالٍ) , مما شجعني هذا القول إلى الاسترسال في الأسئلة بهمة أكبر, فقلت له: وماذا يُقرب العبد من الله تعالى هل هي كثرة عبادته؟ أو أعماله الصالحة؟ أم غير ذلك في رأي الإمام (عليه السلام)؟ فقال وهو يبتسم: قال (عليه السلام): (ثلاث يبلغن بالعبد رضوان الله تعالى: كثرة الاستغفار, ولين الجانب, وكثرة الصدقة) , وما أحسن قوله (عليه السلام): (القصد إلى الله تعالى بالقلوب أبلغ من إتعاب الجوارح بالأعمال) , فهممت بسؤاله مرة أخرى يا شيخنا: ومتى يكون العبد مؤمناً حقاً؟ فقال لي وهو يهز برأسه, يقول إمامنا (عليه السلام): (لن يستكمل العبد حقيقة الإيمان حتى يؤثر دينه على شهوته، ولن يهلك حتى يؤثر هواه وشهوته على دينه) , فقلت له يا شيخنا: وماذا يقول الإمام في إنسان قضى عمره وهو غارق في معصية الله تعالى؟ فاستغربت من جوابه السريع: إنه ميّت في نظر الإمام حتى لو كان على قيد الحياة, قال (عليه السلام): (موت الإنسان بالذنوب أكثر من موته بالأجل، وحياته بالبر أكثر من حياته بالعمر) , فقلت: وكيف لصاحب هذه الذنوب أن يتوب إلى الله تعالى؟ فقال لي: قال (عليه السلام): (التوبة على أربع دعائم: ندم بالقلب, واستغفار باللسان, وعمل بالجوارح, وعزم أن لا يعود ) , يا شيخي وما حال هؤلاء الذين يُظهرون بخلاف ما يبطنون, ردّ عليّ مع زفرات الحسرة: ينهى إمامنا عن ذلك الفعل بقوله (عليه السلام): (لا تكن ولياً لله في العلانية، وعدواً له في السرِّ) . يا شيخنا وماذا يقول الإمام في الأصدقاء ومعاشرتهم؟ أجابني الشيخ وهو يضع يده على كتفي يا أخي: قال الإمام (عليه السلام): (من استفاد أخاً في الله فقد استفاد بيتاً في الجنة) , فضحكت وقلت له: إذن يا شيخي العزيز لديّ في الجنة بيوت كثيرة وسأحدث أصدقائي عن هذا القول الرائع بعد أن أطلعهم على بحثي, فرّد عليّ قائلاً: ولكن احذر فهذا إمامنا الجواد (عليه السلام) يقول: (إظهار الشيء قبل أن يستحكم مفسدة له) , تعجبت من هذا الحديث وقلت له: نعم هذا صحيح, فعلى الرغم من وجود أصدقاء أوفياء, هناك يا شيخنا أشخاص لا أطيق رؤيتهم ولا تعجبني صحبتهم, أجابني الشيخ بكل وقار قائلاً: قال الإمام (عليه السلام): (لا تعادِ أحداً حتى تعرف الذي بينه وبين الله تعالى، فإن كان محسناً فإنه لا يسلمه إليك، وإن كان مسيئاً فإن علمك به يكفيكه، فلا تعاده) . يا شيخي استشرى الظلم في أيامنا هذه, وبات الناس ما بين مظلوم ومهموم ومقهور, فهل من حديث يُعيد الأمل لقلوبهم, فقال الشيخ وكيف لا؟ فأهل البيت (عليهم السلام) كلهم ظُلموا من قبل الطغاة وقد لاقى أتباعهم نفس المصير وسينصرهم الله تعالى جميعاً يوم ظهور قائمهم الموعود (عجل الله فرجه الشريف) حيث يقول إمامنا الجواد (عليه السلام): (يوم العدل على الظالم أشد من يوم الجور على المظلوم ) , فقلت له: ما أبدع هذه الأحاديث, وما أعظم قائلها, وما أحسن أخلاق من ساعدني على سماعها وما أفصح لسانه, فضحكنا أنا والشيخ الجليل وختم حديثه بقول للإمام (عليه السلام): (الجمال في اللسان ، والكمال في العقل) .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق