مقالات

محيي القلوب وموقظ الضمائر

كثيرة هي مصائب الدنيا ونوائب الدهر, وشديدة هي إذا انصبت بأجمعها في آن واحد, ومفجعة إذا انهالت كلها على ذات الشخص, ومهولة إذا كان هو في موقع القيادة والمسؤولية, ولكن كم هو عظيم الذي يقاومها ويتحداها بصبره,

ويتخطاها بقوة إرادته وعزمه وتجلده, ويجابهها بحلمه ليكون النصر حليفه, وبالتالي يُنقش أسمه في ذاكرة التاريخ وتُخلّد مواقفه بصفحات من نور.

فحينما نسمع بالمصائب يخطر ببالنا فاجعة كربلاء, وعندما نتذكر المفجعين فيها الذين صبروا وتحملوا أعباء المسؤولية الجسيمة بعد استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) يتراود في أذهاننا أسم ابنه المبتلى بعده وهو سيد الساجدين وزين العابدين الإمام علي بن الحسين (عليه السلام) الذي عانى ما عاناه من رزايا تهتز من هولها الجبال الشامخات, فقد أخذ على عاتقه نصرة ثورة أبيه (عليه السلام) واستمرار صداها, فظل يحارب الظلم والظالمين بأسلحته الخاصة, رغم التضييق الشديد عليه من قبل طواغيت عصره, فتارة كان يشحذ الهمم ويستنطق الضمائر من خلال بعض المواقف التي يشاهدها أمامه ليذكر الناس بمصيبة كربلاء وما حدث فيها من الفوادح التي وأدت فيها روح الإنسانية لتستشري بدلها النزعة الحيوانية الوحشية, فقد سمع الإمام السجاد(عليه السلام) ذات يوم رجلاً ينادي في السوق: ( أيها الناس ارحموني أنا رجل غريب, فتوجه إليه الإمام (عليه السلام) وقال له : لو قدر لك أن تموت في هذه البلدة فهل تبقى بدون دفن, فقال الرجل: الله أكبر كيف أبقى بلا دفن وأنا رجل مسلم وبين ظهراني أمة مسلمة, فبكى الإمام (عليه السلام) وقال: (وا أسفاه عليك يا أبتاه تبقى ثلاثة أيام بلا دفن وأنت إبن بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله)) , وأيضاً في حادثة أخرى مرّ الإمام (عليه السلام) ذات يوم في سوق المدينة على جزار بيده شاة يجرها إلى الذبح فناداه الإمام (عليه السلام) يا هذا هل سقيتها الماء؟ فقال الجزار : نعم يا إبن رسول الله نحن معاشر الجزارين لا نذبح الشاة حتى نسقيها الماء, فبكى الإمام (عليه السلام) وصاح: (وا لهفاه عليك أبا عبد الله الشاة لا تذبح حتى تسقى الماء وأنت إبن رسول الله (صلى الله عليه وآله) تذبح عطشان) , وتارة أخرى كان الإمام (عليه السلام) يبكي على أبيه ويشجع الناس على البكاء حيث قال: (أيما مؤمن ذرفت عيناه لقتل الحسين(عليه السلام) حتى تسيل على خده, بوأه الله غُرفاً في الجنة يسكنها أحقاباً) , وهكذا كان الإمام زين العابدين (عليه السلام) يلهب مشاعر الناس ويوقدها بمأساة كربلاء لكي لا يستسلموا للظلم وللظلمة ولا يركنوا للخنوع والذلة. كما أتخذ الإمام زين العابدين (عليه السلام) أسلوباً آخر لنصرة الإمام سيد الشهداء (عليه السلام) من خلال استخدامه لسلاح فتاك وناجع في مقاومة الأعداء ودحر مخططاتهم العدوانية الشرسة على أهل البيت (عليه السلام) وأتباعهم, وهو الدعاء والمناجاة والتضرع إلى الباري عز وجل, بكلمات رائعة وأسلوب بليغ ومعان جلية, حيث يجذب الأسماع إليها ويقرع القلوب ويخاطب الوجدان ويطمئن النفوس ويعيد لها إنسانيتها التي سلبت منها, حيث كان الناس في ذلك الوقت قد عميت قلوبهم وتجلدت, وباعوا ضمائرهم من أجل الدنيا الفانية, وجُل تفكيرهم هو المال وإرضاء السلطان, لهذا عمد الإمام (عليه السلام) على معالجة عصره بألوان الأدعية والمناجاة لكي يرجعوا إلى الله تعالى وينتبهوا من غفلتهم, ويثوروا ضد الحّكام الظالمين. واليوم ونحن نعيش في هذه الظروف الصعبة التي تمر على بلدنا الجريح من ظلم وجور واستبداد, وضياع للقيم والأخلاق والمبادئ الإنسانية والإسلامية, مالنا إلا اللجوء إلى الدعاء والتضرع إلى الله تعالى بكشف هذه الغمة عن الأمة الإسلامية, ومعالجة مجتمعنا وتسكين آلامه وهمومه بهذه الأدعية العظيمة التي هي عصارة آلام ومعاناة الإمام زين العابدين (عليه السلام) طوال فترة حياته الشريفة وهي أيضاً بمثابة الدواء والبلسم الشافي لجروحنا وآلامنا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق