مقالات

مصداق الكرامة في قوله تعالى«إن أكرمكم عند الله اتقاكم»

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) الخطاب عام لكل الناس (يَا أَيُّهَا النَّاسُ)، وليس خاصاً بالذين آمنوا كما في كثير من الخطابات القرآنية لتذكيرهم بـ (إنا خلقناكم من ذكر وأنثى) والخلق من الذكر والأنثى يحتمل أحد معينين الأول:

آدم وحواء فيكون المعنى أيها الناس أنكم مشتركون في هذا الأب والأم من غير فرق بين الأبيض والأسود والعربي والأعجمي بل يزيد القرآن على ذلك برجوع الخلق إلى نفس واحدة (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ) .

الثاني: مطلق الرجل والمرأة فكل واحد من الناس مولود من إنسانين فلا فرق بين الجميع من هذه الجهة حتى قيل في المواعظ (كيف يتكبر الإنسان وقد خرج من مجرى البول مرتين) . ومن هذا الأصل الواحد انشعبت البشرية حتى صارت (شعوباً وقبائل) وهذا الأنشعاب هو جعل إلهي (وَجَعَلْنَاكُمْ) فكما أن الخلق الأول ينسب إلى الله سبحانه فأن انتشاره وكثرته ينسب إلى الله أيضاً ورغم أن كل ما ينسب إلى الله سبحانه فهو عين الحكمة وأن غاب عنا أحياناً وجه الحكمة في بعض تلك الأفعال لكنه سبحانه نص هنا على حكمة هذا التفريق فقال (لِتَعَارَفُوا) وهذا التعارف يقود حتماً تبادل المعرفة والتكامل البشري بأستفادة كل أحد من تجربة وعلم الاخر فمن الخطأ أن يكون هذا الجعل منشأ للتكاثر أو التفاخر أو شيء أخر خلافاً لحكمة المولى سبحانه وفي أخر الآية تبين أن محور الكرامة هو التقوى (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) فكل من بدل اتقاكم بـ أغناكم أو أقواكم أو غير ذلك فقد خالف الله سبحانه بميزان الكرامة وخاصة من يستخدم انتمائه إلى جماعة ما ميزاناً للتفاضل على الآخرين فقد خط منهجاً غير منهج القرآن وتختم الآية (إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) فهو سبحانه يعلم من هو صاحب التقوى فيستحق الكرامة وهناك نهي قرآني يؤكد هذا المعنى (فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى) وفي هذا النهي سد لباب ادعاء التقوى وبالتالي غلق أدعاء الكرامة لأن الميزان ليس في أيدينا ولا نحيط به علماً بل علم ذلك عند العليم الخبير وهو أعلم بمن أتقى وفي هذا سد لباب أن أي إنسان مهما بلغ من التقوى أن يرى نفسه خير من الآخرين وفي المواعظ على الإنسان أن يحسب نفسه أنه بدأ قبل الصغير في المعصية ويحسب أن الكبير غيره بدأ بالحسنة قبله وليس للأنوثة أو الذكور دخل في الموضوع من قريب أو بعيد فقد قال المولى (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا)

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق