مقالات

من هي الفرقة الناجية ؟

اقرأ في هذا المقال

  • لقد جهدت كل طائفة في إثبات كونها المعنية بالفرقة الناجية بكل ما أوتيت من حول و قوة و وسيلة،
  • لكن رغم حصول المخالفات و رغم محاولة كل فرقة جرُّ النار الى قُرصها فإن الحق أبلج لا تختفي أنواره،

و من الواضح أنّ مفاد الحـديث النبوي الشريف هو الدعوة لتمييز الفرقة الناجية عن غيرها و معرفتها كي تُتّبع، و النهي عن إتّباع غيرها، أو التذبذب بين الفِرق، أو التوقّف عن إتباع أي منها، أو الوقوع في الحيرة و الاضطراب.

و فعلاً لقد وقع ما أخبر به الصادق الأمين (صلَّى الله عليه و آله)، فافترقت الأمة الاسلامية إلى فرق كثيرة يكفر بعضها بعضا، و يستحل بعضها دم بعض، و كل فرقة تدعي أنها هي الفرقة المحقة و المقصودة بالفرقة الناجية!

و لقد جهدت كل طائفة في إثبات كونها المعنية بالفرقة الناجية بكل ما أوتيت من حول و قوة و وسيلة، و كانت النتيجة أن اُختُلقت الأحاديث الكثيرة لتنتصر بها كل فرقة على غيرها من الفرق، فامتلأت الكتب بالأحاديث الموضوعة المكذوبة على النبي (صلَّى الله عليه و آله)، فصار الناس في ظلمة عمياء!

و من تلك الاحاديث المكذوبة هو ما نُسب الى النبي المصطفى صلى الله عليه و آله و سلم أنه قال:”تَفْتَرِقُ هَذِهِ الْأُمَّةُ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، كُلُّهُمْ فِي النَّارِ إِلَّا فِرْقَةً وَاحِدَةً”، قَالُوا: وَمَا تِلْكَ الْفِرْقَةُ؟

قَالَ: “مَا أَنَا عَلَيْهِ الْيَوْمَ وَأَصْحَابِي”.

و الدليل على أن هذا الحديث موضوع و مكذوب هو البيان المنسوب الى النبي صلى الله عليه و آله: “مَا أَنَا عَلَيْهِ الْيَوْمَ وَأَصْحَابِي” و ذلك لأنه لو كان الاصحاب هم المؤشر لمعرفة الفرقة الناجية للزم كونهم جميعاً على نهج واحد و رأي موحد الأمر الذي يشهد التاريخ بخلافه، كما و يشهد بأن الخلاف بدأ من الاصحاب و الصحابيات أنفسهم منذ توفي النبي المصطفى صلى الله عليه و آله، فكيف يمكن تمييز الفرقة الناجية بواسطة الصحابة و هم منشأ الاختلاف؟

لكن رغم حصول المخالفات و رغم محاولة كل فرقة جرُّ النار الى قُرصها فإن الحق أبلج لا تختفي أنواره، و الآيات القرآنية و الأحاديث النبوية الصحيحة تصدح بالحق، و إن كلَّ من إبتغى الحق و جَدَّ في طلبه لابد من أن يصل إليه، شريطة أن يتخلى عن أهوائه و ألا يتعصب للمخلوقين، و أن ينأى عن تقليد الأجداد و الآباء.

نعم إن طالب الحق لو تجرد من التعصب الأعمى و التقليد الباطل نال مبتغاه و حصل على ما يتمناه من خلال التمسك بالقرآن الكريم و بالاحاديث الصريحة الصحيحة التي رويت عن النبي المصطفى (صلَّى الله عليه و آله).

حديث الفرقة الناجية برواية أهل البيت
عَنْ عَلِيٍّ (عليه السَّلام) أنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلَّى الله عليه و آله):‏” سَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَ سَبْعِينَ فِرْقَةً، مِنْهَا فِرْقَةٌ نَاجِيَةٌ وَ الْبَاقُونَ هَالِكَةٌ، وَ النَّاجِيَةُ الَّذِينَ يَتَمَسَّكُونَ بِوَلَايَتِكُمْ وَ يَقْتَبِسُونَ مِنْ عِلْمِكُمْ وَ لَا يَعْمَلُونَ بِرَأْيِهِمْ‏، فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ‏” 1.

و هذا الحديث مطابقٌ تماماً مع الآية المعروفة بآية خير البرية 2 و شأن نزولها و الحديث النبوي المعروف بحديث خير البرية الذي رواه المحدثون السُنة في كتبهم و غيرها من الاحاديث الصحيحة الصريحة، و إليك بعض هذه الاحاديث:

شيعة علي هم الفائزون
رَوى الكنجي أبو عبد الله محمد بن يوسف بن محمد القرشي الكنجي الشافعي المتوفى سنة: 658 هجرية، عن جابر بن عبد الله، قال: كنا عند النبي (صلَّى الله عليه و آله)، فاقبل علي بن أبي طالب (عليه السَّلام) فقال النبي (صلَّى الله عليه و آله): “قد أتاكم أخي”، ثم التفت إلى الكعبة فضربها بيده، ثم قال: “و الذي نفسي بيده إن هذا و شيعته هم الفائزون يوم القيامة، ثم إنه أولكم إيمانا، و أوفاكم بعهد الله، و أقومكم بأمر الله، و أعدلكم في الرعية، و أقسمكم بالسوية، و أعظمكم عند الله مزيّة، “قال: و نزلت: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ﴾ 3 4 .

شيعة علي هم خير البرية
رَوى ابن حجر أحمد بن حجر الهيثمي، المتوفى سنة : 974 هجرية، عن ابن عباس قال: لما أنزل الله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ﴾ 3 ، قال رسول الله (صلَّى الله عليه و آله) لعلي (عليه السَّلام): “هم أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين، و يأتي عدوّك غِضابا مقمحين”5.

حديث الثقلين يحدد الفرقة الناجية
إن حديث الثقلين 6(التمسُّك) 7خير دليل على أن أتباع أهل البيت عليهم السلام هم الفرقة الناجية، و أن إتّباع أهل البيت عليهم السلام عاصم من الظلال، فقد أخرج مسلم في صحيحه بسنده عن زيد بن أرقم – في حديث طويل – أن النبي صلى الله عليه و آله و سلم قال: “أما بعد، ألا أيها الناس، فإنما أنا بشر، يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، و أنا تارك فيك ثقلين: أولهما كتاب الله فيه الهدى و النور، فخذوا بكتاب الله و استمسكوا به”، فحثّ على كتاب الله و رغَّب فيه، ثم قال: “و أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي” 8.

و أخرج الترمذي عن زيد بن أرقم و أبي سعيد، قالا: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، و عترتي أهل بيتي، و لن يتفرقا حتى يَردا عليَّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما” 9.

و أخرج أحمد في المسند، و الحاكم 10 في المستدرك، و ابن أبي عاصم في كتاب السنة، و ابن كثير في البداية و النهاية و غيرهم عن زيد بن أرقم، قال: لما رجع رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم من حجة الوداع و نزل غدير خم، أمر بدوحات فقممن 11، فقال : “كأني دعيت فأجبت، إني قد تركت فيكم الثقلين، أحدهما أكبر من الآخر: كتاب الله و عترتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فإنهما لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض” 12.

قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين و لم يخرجاه بِطوله، شاهده حديث سلمة بن كهيل، عن أبي الطفيل، و هو أيضا صحيح على شرطهما. و وافقه الذهبي 13.

و أخرج الحاكم في المستدرك أيضا عن زيد بن أرقم، قال: نزل رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم بين مكة و المدينة عند شجرات خمس دوحات عظام، فكنس الناس ما تحت الشجرات، ثم راح رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم عشية فصلى، ثم قام خطيبا، فحمد الله و أثنى عليه و ذكر و وعظ ما شاء الله أن يقول، ثم قال: “أيها الناس، إني تارك فيكم أمرين لن تضلوا إن اتبعتموهما، و هما كتاب الله و أهل بيتي عترتي” 14.

قال ابن حجر: و من ثم صح أنه صلى الله عليه و سلم قال : “إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا : كتاب الله و عترتي” 15.

تنبيه
تجدر الاشارة هنا إلى أن الادلة الدالة على أن أتباع مذهب أهل البيت عليهم السلام هم الشيعة الامامية الاثنا عشرية لا غير و هم المصداق الوحيد للفرقة الناجية كثيرة جداً سواءً من القرآن الكريم أو الاحاديث النبوية الشريفة، و ما ذكرناه هنا إنما هو من باب الاشارة و ليس الحصر.

1. كفاية الأثر في النص على الأئمة الإثني عشر: 155 .
2. آية خير البرية هي قول الله عزوجل: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ﴾ القران الكريم: سورة البينة ( 98 ) ، الآية : 7 ، الصفحة : 598.
3. a. b. القران الكريم: سورة البينة (98)، الآية: 7، الصفحة: 598.
4. كفاية الطالب : 214 ، طبعة بيروت.
5. الصواعق المحرقة: باب 11، الفصل الأول، الآية: 11، طبعة: القاهرة.
6. الثقلين: إذا قرأ بالتحريك “الثَقَلَين” الذي مفرده “ثَقَل” كان معناه متاع المسافر، و أما إذا قُرأ “الثّقْلَين” الذي مفرده “ثِقْل” كان معناه ضدّ الخِفّة، فيقال ثَقُلَ الشيء ثِقْلاً فهو ثَقِيل، و على هذا فمعنى الحديث هنا أن العمل بهما أي بالثِقْلَين ثَقِيلٌ.
و تجدر الإشارة هنا الى أن هذا الحديث أخرجه أكابر علماء المذاهب قديماً و حديثاً في كتبهم من الصحاح و السنن و المسانيد و التفاسير و السير و التواريخ و اللغة و غيرها، للتفصيل راجع رسالة حديث الثقلين: 5، إصدار دار التقريب بين المذاهب الإسلامية / القاهرة، طبعة، سنة: 1374 هجرية / 1955 ميلادية.

و لقد روى العلامة السيد مير حامد حسين الهندي ( قدَّس الله نفسه الزَّكية ) هذا الحديث عن جماعة تقرب من المائتين من أكابر علماء المذاهب من المائة الثانية و حتى المائة الثالثة عشرة ، و عن أكثر من ثلاثين رجلاً و امرأة من الصحابة و الصحابيات ، و لمزيد من المعلومات يراجع المصدر السابق.

7. يسمى هذا الحديث بحديث التمسُّك أيضاً.
8. صحيح مسلم: 4 / 1873 كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
9. سنن الترمذي: 5 / 663.
قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.

و ذكر في مشكاة المصابيح: 3 / 1735، صحيح الجامع الصغير 1 / 482 حديث 2458 و صححه الألباني أيضا.

10. هو محمد بن عبد الله بن حمدون أو (حمدويه) ابن نعيم بن الحكم الضبي النيسابوري، و كنيته أبو عبد الله، إشتهر بالحاكم النيسابوري ، كما و يُعرف بابن البيع.
إمام أهل الحديث في عصره و من كبار المصنفين فيه و هو من أعلم الناس بصحيح الحديث و تمييزه عن سقيمه.

ولد بنيسابور و رحل إلى العراق سنة 341 هجرية، و حج و جال في بلاد خراسان و ما وراء النهر و أخذ عن نحو ألفي شخص.

و في سنة 359 هجرية، ولي قضاء نيسابور و لُقب بالحاكم لتوليه القضاء مرة بعد مرة، ثم اعتزل منصبه ليتفرغ للعلم و التصنيف.

صنف كتبا كثيرة منها: تاريخ نيسابور، المستدرك على الصحيحين، الإكليل، المدخل إلى علم الصحيح، تراجم الشيوخ، فضائل الشافعي، و غير ذلك. توفي عن 84 عاماً.

11. الدوحات: الأشجار العظيمة.
قممن: أي كنس ما تحتهن.

12. مسند أحمد بن حنبل 3 / 14 ، 26. المستدرك على الصحيحين: 3 / 109.
13. كتاب السنة 2 / 630 . البداية والنهاية 5 / 184 ، وقال : قال شيخنا أبو عبد الله الذهبي : هذا حديث صحيح.
14. المستدرك على الصحيحين: 3 / 109 – 110.
15. الصواعق المحرقة: 145.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق