مقالات

مولدُ رسُول اللّه صلّى اللّه عليه وآله

كانت سُحُبُ الجاهلية الداكنة تُغطّي سماء الجزيرة العربية، وتمحي الاعمالُ القبيحةُ والممارساتُ الظالمة، والحروبُ الداميةُ، والنهبُ والسلبُ، ووأدُ البنات، وقتلُ الاولاد، كل فضيلة أخلاقية في البيئة العربية، وكان المجتمع العربيّ قد اصبح في منحدر عجيب من الشقاء، ليس بينهم وبين الموت الا غشاء رقيق ومسافة قصيرة !!

في هذا الوقت بالذات طلعت عليهم شمس السعادة والحياة فاضاءت محيط الجزيرة الغارق في الظلام الدامس، وذلك عندما اشرقت بيئة الحجاز بمولد النبيّ المبارك “محمَّد” صلّى اللّه عليه وآله وسلم، وبهذا تهيأت المقدمات اللازمة لنهضة قوم متخلف طال رزوحُه تحت ظلام الجهل، والتخلف، وطالت معاناته لمرارة الشقاء. فانه لم يمض زمن طويل الا وملأ نور هذا الوليد المبارك ارجاء العالم واسس حضارة انسانية عظمى في كل المعمورة.

فترةُ الطُفولة في حياة العُظماء
ان جميع الفصول في حياة العظماء جديرةٌ بالتأمل، وقمينة بالمطالعة، فربما تبلغ العظمة في شخصية احدهم من السعة، والسموّ بحيث تشمل جميعُ فصول حياته بدءاً من الطفولة، بل وفترة الرضاع فتكون حياته وشخصيته برمتها سلسلة متواصلة من حلقات العظمة.

إن جميع الأدوار، والفترات في حياة العظماء، والنوابغ وقادة المجتمعات البشرية، وروّاد الحضارات الانسانية وبُناتها تنطوي في الأغلب على نقاط مثيرة وحساسة وعلى مواطن توجب الاعجاب.

إن صفحات تاريخهم وحياتهم منذ اللحظة التي تنعقد فيها نطفهم في أرحام الاُمهات، وحتى آخر لحظة من أعمارهم مليئة بالاسرار، زاخرة بالعجائب.

فنحن كثيراً ما نقرأ عن اُولئك العظماء في أدوار طفولتهم أنها كانت تقارن سلسلة من الامور العجيبة، والمعجزة.

ولو سهل علينا التصديق بهذا الامر في شأن الرجال العاديين من عظماء العالم لكان تصديقنا بأمثالها في شأن الانبياء والرسل اسهل من ذلك بكثير، وكثير.

إن القرآن الكريم ذكر فترة الطفولة في حياة النبيّ موسى عليه السّلام في صورة محفوفة بكثير من الأسرار، فهو يقول ما خلاصته: ان مئات من الاطفال قُتِلوا وذُبحوا بامر من فرعون ذلك العصر منعاً من ولادة موسى ونشوئه.

ولكن ارادة اللّه شاءت ان يُولد الكليم، وظلت هذه المشيئة تحفظه من كيد الكائدين ولهذا لم يعجز اعداؤه عن القضاء عليه او إلحاق الاذى به فحسب، بل تربى في بيت فرعون أعدى اعدائه.

يقول القرآن الكريم في هذا الصدد: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى * إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى * أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾.

ثمّ يقول: ﴿إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ…1.

ثمّ إن القرآن الكريم يذكر قصة ولادة المسيح، ويصور طفولته ونشأته بشكل أعجب اذ يقول:

﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا * فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا * قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا * قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا * قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا * قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا * فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا * فَأَجَاءهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا * فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا * وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا * فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا * فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا * يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا * فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا * قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا * وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا2.

فإذا كان أتباع القرآن والتوراة والانجيل يشهدون بصحة هذه المطالب حول ولادة هذين النبيين العظيمين من اولى العزم لموسى وعيسى عليهما السّلام، ويقرون بصدقها، فلا يصحّ في هذه الصورة أن نستغرب وقوع أمثالها في شأن رسول الإسلام، ونتعجب من الحوادث العجيبة التي سبقت أو رافقت ميلاده المبارك، ونعتبرها اُموراً سطحية لا تدل على شيء.

فنحن نقرأ في الكتب التاريخية وفي كتب الحديث عن وقوع حوادث عجيبة يوم ولادة النبيّ الكريم صلّى اللّه عليه وآله مثل: ارتجاس ايوان كسرى، وسقوط اربع عشرة شرفة منه، وانخماد نار فارس التي كانت تُعبد، وانجفاف بحيرة ساوة، وتساقط الاصنام المنصوبة في الكعبة على وجوهها، وخروج نور معه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أضاء مساحة واسعة من الجزيرة، والرؤيا المخيفة التي رآها انوشيروان ومؤبدوه، وولادة النبي صلّى اللّه عليه وآله مختوناً مقطوع السُّرّة، وهو يقول: “أللّه اكبر، والحمدُ للّه كثيراً، سُبحان اللّه بكرة وأصيلاً”.

وقد وردت جميع هذه الامور في المصادر التاريخية الأُولى، والجوامع الحديثية المعتبرة3.

ومع ملاحظة ما ورد في حق موسى وعيسى ونقلنا بعضه هنا، لا يبقى أيّ مجال للشك في صحة هذه الحوادث.

نعم ينبغي أن نسأل هنا: ماذا كانت تهدف هذه الحوادث غير العادية ؟

وفي الاجابة على هذا السؤال يجب ان نقول:

إن هذه الحوادث الخارقة والعجيبة كانت تهدف إلى أمرين:

الأول: أن تدفع بالجبابرة، والوثنيين وعبدة الاصنام إلى التفكير فيما هم فيه فيسألوا أنفسهم: لماذا انطفأت نيرانُهم التي طالما بقيت مشتعلة تحرسها اعيان السدنة والكهنة ؟

لماذا سبّبت هزةٌ خفيفةٌ في ارتجاس ايوان كسرى العظيم المحكم البنيان، ولم يحدث لبيت عجوز في نفس ذلك البلد شيء ؟

لماذا تهاوت الاصنامُ المنصوبة في الكعبة وحولها، وانكبَّت على وجوهها بينما بقيت غيرها من الاشياء على حالها لم يصبها شيء ابداً ؟

لو كانوا يفكرون في تلك الحوادث لعرفوا أن تلك الحوادث كانت تبشّر بعصر جديد… عصر انتهاء فترة الوثنية وزوال مظاهر السلطة الشيطانية واندحارها ؟

الثاني: ان هذه الحوادث جاءت لتبرهن على شأن الوليد العظيم، وانه ليس وليداً عادياً، فهو كغيره من الانبياء العظام الذين رافقت مواليدهم أمثال تلك الحوادث العجيبة، والوقائع الغريبة، كما يخبر بذلك القرآن  الكريم فيما يحدثه عن حياة الانبياء- كما عرفت- وتخبر بها تواريخ الشعوب والملل المسيحية واليهودية.

واساساً لا يلزم ان تكون تلك الحوادث سبباً للعبرة ووسيلة للاتعاظ يوم وقوعها، بل يكفي ان تقع حادثة في احدى السنين، ثم يعتبرُ بها الناس بعد أعوام عديدة، وقد كانت حوادثُ الميلاد النبويّ من هذه المقولة، لأن الهدف منها كان هو ايجاد هزة في ضمائر اُولئك الناس الذين كانوا قد غرقوا في احوال الوثنية، والظلم، والانحراف الاخلاقي حتى قمة رؤوسهم، وعشعشت الجهالة 
والغفلة في اعماقهم حتى النخاع.

إن الذين عاشوا في عصر الرسالة، أو من اتى من بعدهم عندما يسمعون نداء رجل نهض- بكل قواه- ضدّ الوثنية، والظلم، ثم يطالعون سوابقه، ويلاحظون الى جانب ذلك ما وقع ليلة ميلاده من الحوادث العظيمة التي تتلاءم مع دعوته، فانهم ولا شك سيعتبرون تقارن هذين النوعين من الحوادث دليلاً على صحة دعواه، وصدق مقاله فيصدِّقونه، وينضوون تحت لوائه.

إن وقوع أمثال هذه الحوادث الخوارق عند ميلاد الانبياء مثل “إبراهيم” و”موسى” و”المسيح” و”محمّد” صلّى اللّه عليهم اجمعين لا يقل اهمية عن وقوعها في عصر رسالتهم ونبوتهم، فهي جميعاً تنبع من اللُّطف الالهي، وتتحقق لهداية البشرية، وجذبها إلى دعوة سفرائه ورسله.

في أيّ يوم وُلدَ رسُولُ اللّه صلّى اللّه عليه وآله ؟
لقد اتّفق عامّة كُتّاب السيرة على أن ولادة النبيِّ الكريم كانت في عام الفيل سنة 570 ميلادية.

لأنه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم رحل الى ربه عام (632) ميلادية عن (62) أو (63) عاماً، وعلى هذا الأساس تكون ولادته المباركة قد وقعت في سنة (570) ميلادية تقريباً.

كما أنّ اكثر المحدثين والمؤرخين يتفقون على أنه صلّى اللّه عليه وآله ولدَ في شهر ربيع الأول.

انما وقع الخلاف في يوم ميلاده، والمشهور بين محدثي الشيعة أنه كان يوم الجمعة السابع عشر من شهر ربيع الأول بعد طلوع الفجر.

والمشهور بين أهل السنة أنه صلّى اللّه عليه وآله وُلد في يوم الاثنين الثاني عشر من ذلك الشهر4.

أيُّ هذين القولين هو الصحيح ؟
ان من المؤسف جداً أن يعاني التقويم الدقيق لميلاد رسول الإسلام العظيم صلّى اللّه عليه وآله ووفاته بل مواليد ووفيات اكثر قادتنا وائمتنا لمثل هذا الارتباك، وان لا تكون اوقاتها وتواريخها محددةً معلومة على وجه التحقيق واليقين !.

ولقد تسبب هذا الارتباك في أن لا تستند اكثر احتفالاتنا ومآتمنا إلى تاريخ قطعي، في حين نجد أن علماء الإسلام كانوا يهتمون- عادة- بتسجيل الوقائع التي حدثت على مدار القرون الإسلامية في نظم خاص وعناية كبيرة، ولكننا لا ندري ما الذي منع من تسجيل مواليد هذه الشخصيات العظيمة ووفياتهم على نحو دقيق، وصورة قطعية ؟!

على أن مثل هذه المشكلة يمكن حلها بدرجة كبيرة بالرجوع إلى أهل البيت عليهم السّلام، فان أي مؤرخ لو أراد أن يكتب عن حياة شخصيّة من الشخصيات وأراد أن يُلمّ بكل تفاصيلها ودقائقها لم يسمح لنفسه بان يفعل ذلك من دون ان يراجع ابناء او اقرباء تلك الشخصية التي يزمع ترجمتها والكتابة عنها.

ولقد مضى رسولُ اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وخلّف من بعده ذرية وقربى وهم الذين يطلق عليهم اهل البيت.

واهل بيته يقولون: لو كان صحيحاً وحقاً ان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله أبونا وجدنا، وقد نشأنا في بيته وترعرعنا في حجره فاننا نقول انه قد ولد يوم كذا وتوفي يوم كذا فهل يبقى بعد ذلك مجال لأن نتجاهل قولهم ورأيهم، ونختار ما يقوله الآخرون من الأبعدين، وقديماً قالوا: أهل البيت ادرى بما في البيت ؟ 5.

فترَةُ الحمل:
المعروفُ أن النورَ النبويّ الشريف استقر في رحم آمنة- الطاهر في أيام التشريق وهي اليوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من شهر ذي الحجة6، ولكن هذا الامر لا ينسجم مع الرأي المشهور بين عامة المؤرخين من كون ولادة النبيّ الاكرم صلّى اللّه عليه وآله في شهر ربيع الأول، اذ في هذه الصورة يجب ان نعتبر مدة حمل “آمنة” به صلّى اللّه عليه وآله إما ثلاثة أشهر واما سنة وثلاثة اشهر، وكلا الامرين خارجان عن الموازين العادية في الحمل، كما أنه لم يعدّهُ احدٌ من خصائص النبيّ صلّى اللّه عليه وآله7.

ولقد عالج المحققُ الكبير الشهيد الثاني (911- 966 هجري) هذا الإشكال بالنحو التالي إذ قال:

إن ذلك مبنيّ على النسيء الذي كانوا يفعلونه في الجاهلية، وقد نهى اللّه تعالى عنه، وقال: “إنّما النسيءُ زيادةٌ في الكُفر”.

وتوضيح هذا هو أن أبناء “إسماعيل” كانوا تبعاً لاسلافهم يؤدون مناسك الحج في شهر ذي الحجة، ولكنهم رأوا- في ما بعد- أن يحجّوا في كل شهر عامين يعني ان يحجوا في ذي الحجة عامين وفي المحرم عامين وفي صفر عامين وهكذا.

وهذا يعني أن الحج يعود كل اربعة وعشرين سنة في موضعه الطبيعي (اي شهر ذي الحجة).

وقد جرى العربُ المشركون على هذه الطريقة حتى صادفت أيامُ الحج شهر ذي الحجّة في السنة العاشرة من الهجرة النبوية فحج النبيّ صلّى اللّه عليه وآله في تلك السنة حجة الوداع، فنهى في خطبة له عن هذه الفعلة (التي تسمى بالنسيء بمعنى تأخير الحج عن موضعه وموعده) فقال: “ألا وإنّ الزّمان قد استدار كهيئته يوم خلق السّماواتِ والأرض السّنة إثنا عشر شهراً، مِنها أربعةٌ حرُم!: ثلاثٌ متوالياتٌ: ذو القعدة وذو الحجة، ومحرّم، ورجب الذي بين جمادى وشعبان”8.

وقد أراد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بذلك أن الأشهر الحرم رجعت الى مواضعها، وعاد الحجُّ الى ذي الحجة وبطل النسيء.

ونزل في هذه المناسبة قولُ اللّه تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلِّونَهُ عَامًا…9.

من هنا تنتقل أيامُ التشريق كل سنتين من مواضعها، على ما عرفت، وحينئذٍ لا منافاة بين القول بأن نور النبيّ انتقل إلى رحم اُمه “آمنة بنت وهب” في أيام التشريق، وبين ما اجمع عليه عامة المؤرخين من أنه وُلد في شهر ربيع الأول. وانما تكون المنافاة بين هذين الامرين إذا كان المراد من أيام التشريق هو اليومُ الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر من شهر ذي الحجة خاصة، ولكن قلنا أن ايام التشريق كانت تنتقل من شهر الى آخر باستمرار، فيلزم أن يكون عام حمل اُمّه به، وعام ولادته أيام الحج الواقعة في شهر جمادى الاولى، وحيث أنه صلّى اللّه عليه وآله وُلد في شهر ربيع الأول فتكون مدة حمل “آمنة” به عشرة أشهر تقريباً.

مُؤاخذاتٌ وإشكالاتٌ على هذا البيان:
إن النتيجة التي توصّل اليها المرحومُ “الشهيد الثاني” ليست صحيحة، كما أن المعنى الذي ذكره للنسيء لم يقل به من بين المفسرين إلا مجاهد، واما الآخرون فقد فسّروهُ بنحو آخر فلا يكون التفسيرُ الذي مرَّ قوياً، وذلك:

اوّلاً: لأن “مكة” كانت مركزاً لجميع الاجتماعات كما كانت معبداً للعرب جميعاً، ولا يخفى أنّ تغيير الحج في كل سنتين مرةً واحدةً من شأنه أن بسبب الالتباس لدى الناس ويوقعهم في الخطأ والاشتباه، وبالتالي يتعرّض ذلك الاجتماع العظيم، وتلك العبادة الجماعية الى خطر الزوال.

ولهذا يُستبعد ان ترضى قريش والمكيّون بان يخضع ما هو وسيلة لعزتهم وافتخارهم للتغيير والتبدل الذي من عواقبه ان يتعرض وقته وموعده للنسيان، فيذهب ذلك الإجتماع، ويزول من الاساس.

ثانياً: إذا أخضعنا ما قاله “الشهيد الثاني” لمحاسبة دقيقة فإنَّ كلامه يستلزم ان تكون ايامُ التشريق والحج في السنة التاسعة من الهجرة واقعة في شهر ذي القعدة لا جمادى الاولى في حين أن امير المؤمنين عليّاً  عليه السّلام كُلِّف في هذه السنة بالذات بأن يقرأ سورة البراءة على المشركين في ايام الحج، والمفسرون والمحدثون متفقون على أن عليه السّلام تلاها عليهم في العاشر من شهر ذي الحجة ثم امهلهم اربعة اشهر ابتداء من شهر ذي الحجة لا ذي القعدة10.

ثالثاً: ان النسيء يعني أنّ العرب حيث لم يكن لديهم مصدر صحيح للرزق بل كانوا يعيشون في الاغلب، على النهب والغارة لهذا كان من الصعب عليهم ترك الحرب، في الاشهر الحرم الثلاث (وهي ذو القعدة وذو الحجة، والمحرم)  لهذا ربما طلبوا من سدنة الكعبة بأن يسمحوا لهم بالقتال في شهر المحرم، ثم يتركون الحرب في شهر صفر، وهذا هو معنى النسيء فلم يكن نسيء وتأخير للشهر الحرام في غير شهر محرّم، وفي الآية نفسها اشارةٌ الى هذا المطلب: “يُحِلُّونه عاماً و يُحرِّمونَه عاماً”.

والذي نراه في حل هذه المشكلة هو: أن العرب كانوا يحجُّون في وقتين: أحدهما شهر ذي الحجة، والثاني شهر رجب، وقد كانوا يؤدُّون كل مناسك الحج في هذين الوقتين على السواء، فيمكن أن يكون المقصودُ من حمل “آمنة” برسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله في ايام التشريق هو شهر رجب فإذا اعتبرنا يوم ولادته هو السابع عشر من شهر ربيع الاول كانت مدة حمل “آمنة” به ثمانية أشهر واياماً.

الاحتفال بذكرى المولد النبوي:
وينبغي ان يحتفل المسلمون جميعاً بمولد النبي الاكرم صلّى اللّه عليه وآله وسلّم، ويقيموا المهرجانات الكبرى في هذه المناسبة الشريفة التي كانت مبدأ الخير والبركة، ومنشأ السعادة والكرامة للبشرية جمعاء، وأية مناسبة احرى بالاحتفال والاحتفاء من هذه المناسبة ؟

على ان اقامة مثل هذه الاحتفالات هو نوع من تكريم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وهو أمر مطلوب ومحبوب في الشريعة المقدسة.

فقد قال اللّه تعالى:

﴿…فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ11.

وعزّر بمعنى كرّم وبجّل كما في اللغة12 وهو لا يختص بزمان دون زمان، فعلى المسلمين في كل وقت وزمان ان يعظّموا شأن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله، ويكرّموه، سواء في حياته أو بعد مماته، لما له من فضل عظيم على الناس، ولما له من منزلة عند اللّه تعالى.

كيف لا والاحتفال بميلاده لا يعني سوى ذكر أخلاقه العظيمة، وسجاياه النبيلة، والاشادة بشرفه وفضله وهي اُمور مدحه القرآن الكريم بها اذ قال سبحانه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾13 وقال تعالى أيضاً: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَك14  وغير ذلك من الآيات المادحة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله.

فان الاحتفال بميلاد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله الذي يتحقق بذكر صفاته وأخلاقه والاشادة به خير مصداق لرفع ذكره، الذي فعلهُ اللّه بنحو ما.

ولو كان رفع ذكر النبيّ صلّى اللّه عليه وآله، أمراً غير جائز ولا صحيح، بل فعلاً قبيحاً لما فعله اللّه، فيكفي في حسنه وصحته بل ومشروعيته ومطلوبيته ان اللّه تعالى فعله بالنسبة لنبيه صلّى اللّه عليه وآله.

وهل يكون الاحتفال بمولد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله، واظهار السرور والشكر للّه تعالى بمقدم نبيه المبارك عبادة للنبيّ كما يزعم البعض اذ يقول: “الذكريات التي ملأت البلاد باسم الاولياء هي نوع من العبادة لهم وتعظيمهم”15.

والحال ان العبادة في مفهومها الاصطلاحي الموجب للشرك والكفر ليس إلا الخضوع لمن يُعتقد بالوهيته وتعظيمه بهذه النية16 واين هذا من ذكر فضائل النبي في يوم مولده والابتهاج بمقدمه والشكر للّه على ولادته.

ثم ان تعظيم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ينطلق من كونه عبداً مطيعاً للّه تعالى، ادى رسالته بصدق واخلاص، وجسّد بسلوكه وسيرته كل مكارم الاخلاق أصدق تجسيد فالاحتفال بمولده الكريم احتفال بالقيم السامية، وشكر للّه على منّه، واظهار للحب الكامن في النفوس ليس إلا.

والزعم بانه محرّم لكونه بدعة، او لأنه لا يخلو عن اشتماله على منكرات ومحرمات كالرقص والغناء فهو مرفوض، مردود لان الكلام انما هو حول اصل الاحتفال مجرداً عن المحرمات والمنكرات.

ان الاحتفاء والاحتفال بمولد خاتم النبيين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم انما هو تكريم لمن كرّمه اللّه تعالى، وامر بتكريمه، وحث على احترامه وحبه، ومودته، وانه بالتالي اداء شكر للّه تعالى على تلك الموهبة العظيمة، وتلك العطيّة المباركة حيث منّ سبحانه على البشرية عامة وعلى المسلمين خاصة بأن شرف الارض بمولود عظيم نعمت الارض ببركة شخصيته وخلقه، واشرقت بنور رسالته ودعوته، فاية نعمة ترى اولى بالشكر من هذه، واي شكر اجمل وافضل من الاحتفاء بمولد هذا النبيّ العظيم صلّى اللّه عليه وآله، وذكر فضائله، ومناقبه، للتعرف عليها، والاقتداء بها، وتشديد الحب له بسببها، والابتهال الى اللّه في يوم ميلاده، وطلب التوفيق الالهي لمتابعته، والسير على نهجه، والدفاع عن رسالته، والذبّ دون دينه، بعد الشكر للّه تعالى على موهبته هذه ؟؟

هذا ولقد درج المسلمون في العصور الإسلامية الاولى على الاحتفال بذكرى المولد النبويّ وأنشأوا القصائد الرائعة في مدحه، وذكر خصاله ومكارم اخلاقه، واظهروا السرور بمولده والشكر للّه تعالى بلطفه، وتفضله به صلّى اللّه عليه وآله على البشرية.

قال الإمام الديار بكري في تاريخ الخميس في هذا الصدد:

لا يزال أهل الإسلام يحتفلون بشهر مولده عليه السّلام ويعملون الولائم، ويتصدقون في لياليه بانواع الصدقات ويظهرون السرور، ويزيدون في المبرات ويعتنون بقرائة مولده الكريم، ويظهر عليهم من بركاته كل فضل عميم17.

أجل ينبغي على المسلمين ان يحتفلوا بمقدم نبيهم الكريم ولا يعبأوا بما قاله البعض حيث قال: “الذكريات التي ملأت البلاد باسم الاولياء هي نوع من العبادة لهم وتعظيمهم”18.

فهذا القول مغالطة صريحة، ان لم يكن نابعاً عن الغفلة والجهل بعد ان تبين حقيقة الاحتفال واقامة الذكريات احتفاء بالمولد النبويّ19.

مراسمُ تسمية النبيّ صلّى اللّه عليه وآله:
حلَّ اليومُ السابعُ من الميلاد المبارك، فعقّ عبد المطلب عن النبيّ بكبش شكراً للّه تعالى ودعا جماعة ليشتركوا في الاحتفال الذي حضرهُ عامة قريش لتسمية النبيّ، وسماه “محمّداً”، وعندما سألوه عما حمله على أن يسمي هذا الوليد المبارك “محمّداً” وهو اسم لم يعرفه العرب الا نادراً أجاب قائلاً: أردتُ أن يحمد في السماء والأرض20.

والى ذلك يشير حسان بن ثابت بقوله:
فشقّ لهُ مِن إسمهِ لِيُجلّهُ فذُفاء      والعرش محمُودٌ وهذا محمّدُ21

ومن المسلّم أن هذا الإختيار لم يكن ليتم من دون دخالة للإلهام الالهي، لأن اسم “محمّد” وإن كان موجوداً عند العرب إلا أنه قلّ من كان قد تسمى بهذا الإسم، فحسب ما استقصاه بعضُ المؤرخين لم يتسم به الى ذلك اليوم من العرب الا ستة عشر شخصاً كما يقول شاعرهم:
إن الذين سُمُوا باسم محمدٍ مِن قبلِ     خير الخلقِ ضِعف ثمان22

ولا يخفى أن نُدرة المصاديق لأي لفظ من الالفاظ أو اسم من الأسماء من شأنِها أن تقلّل فرص الاشتباه فيه، وحيث أن الكتب السماوية كانت قد أخبرت عن إسم النبي الخاتم صلّى اللّه عليه وآله وصفاته، وعلائمه الرُوحية والجسمية، لذلك يجب أن تكون علائمُه صلّى اللّه عليه وآله واضحةً جداً جداً حتى لا يتطرق إليها التباسٌ أو اشتباهٌ، وقد كان من علائمه صلّى اللّه عليه وآله اسمُه الشريف، فيجب أن تكون مصاديقُها قليلة جداً حتى يزيل ذلك أي عروض للشك والترديد في تشخيص النبيّ الاكرم صلّى اللّه عليه وآله خاصة إذا ضمّت إليه بقية أوصافهِ وعلائمِه، وخصوصياته.

خَطأ المُستَشرقين:
لقد ذكر القرآنُ الكريمُ اسمين او عدة أسماء للنبي الاكرم صلّى اللّه عليه وآله. ففي سورة آل عمران ومحمّد والأحزاب والفتح في الآيات 144 و2 و40 و29 23 سماه “محمَّداً”24. وفي سورة الصف الآية 6 25 دعاه “أحمد”.

والعلةُ في تسميته بهذين الإسمين أن امّهُ “آمنة” سمّته “أحمد” قبل أن يسميه جده، كما هو مذكور في التاريخ.

وعلى هذا فان ما ذكره بعضُ المستشرقين- في معرض الإعتراض- بأن الإنجيل- حسب تصريح القرآن الكريم في سورة الصف الآية 6- بشّر بنبي اسمُه “أحمد” لا “محمّد” كلامٌ لا اساس له ولا مبرر، لأن القرآن الكريم الذي سمى نبيّنا: ب: “أحمد” سماه في عدة مواضع ب: “محمّد” فإذا كان المصدر في تعيين اسم النبي هو: القرآن الكريم، فان القرآن سمّاه بكلا الاسمين، في موضع باسم “محمّد”، وفي موضع آخر باسم “احمد”.

“أحمد” كان مِن أسماء النبيّ المشهورة:
كلُّ من كان له ادنى إلمامٍ بتاريخ النبي الاكرم صلّى اللّه عليه وآله وسلّم علم أنه صلّى اللّه عليه وآله كان يُدعى بإسمين في الناس منذ صغره أحدهما: “محمّد” الذي سمّاه به جدُّه “عبد المطلب”، والآخر “أحمد” الذي سمته به اُمه “آمنة”.

وهذه حقيقة من حقائق التاريخ الإسلامي، وقد روى المؤرخون هذا الأمر، ويمكن للقارئ الكريم أن يقرأه في السيرة الحلبية26.

ولقد أنشأ عمُّه “أبو طالب”- الذي اُنيطت إليه كفالته بعد وفاة عبد المطلب، فبقي يقوم بهذه المهمة طوال اثنين وأربعين عاماً بكل حرص ورغبة، ولم يمتنع في هذا السبيل عن بذل كل ما استطاع من غال ورخيص انشأ في ابن أخيه أبياتاً سمّاه في بعضها “محمّد” وفي بعضها الآخر “أحمد”، وهذا يكشف عن انه صلّى اللّه عليه وآله كان معروفاً آنذاك بكلا الاسمين.

واليك فيما يأتي بعض هذه الأبيات التي سمى فيها “أبو طالب” النبي باسم احمد:

1- إن يكُن ما أتى بهِ أحمدُ اليوم       سناءً وكان في الحشر ديناً
2- وقولُه لأحمد أنت امرؤ           خلُوفُ الحديث ضعيف النّسب
3- وإن كان أحمدُ قد جاءهم                 بحقٍّ ولم يأتِهم بالكَذِب
4- أرادُوا قتل أحمد ظالموه                وليس بقتلهم فيهم زعيم
5- ألا إنّ خير الناس نفساً ووالداً         إذا عُدّ ساداتُ البرية أحمدُ
6- فلسنا وبيتِ اللّه نسلم أحمداً لِعزّاء   من عض الزمان ولا كرب
27

وقد سمى “أبو طالب” النبي صلّى اللّه عليه وآله في أبيات اخرى بأحمد أيضاً قد ذكرها كبار المحققين من المؤرخين والمحدثين ونسبوها الى أبي طالب ولكنها غير موجودة في ديوانه28.

كما وأنه قد سمّاه غيرُ ابي طالب في أبياته بأحمد ممّا يدل على أنه كان مشتهراً بهذا الاسم في ذلك الزمان، وتلك الابيات كثيرة تفوق حدّ الحصر والاحصاء لكنّنا ننقل نماذج منها هنا:

قال حسان بن ثابت في رثائه للنبي صلّى اللّه عليه وآله:
مفجعةٌ قد شفّها فقدُ أحمد              فظلّت لآلاء الرسول تُعدّدُ
أطالت وقوفاً تذرف العين جُهدها    على طلل القبر الذي فيه أحمد
ُ29

وقال في رثائه أيضاً:
صلّى الالهُ ومن يُحيق بعرشهُ           والطّيبُون على المبارك احمد
ِ30

وقال في رثاء جعفر بن أبي طالب الطيّار:
فمن كان أو يكون كأحمد          نظام الحق او نكال لملحد
31

وقال حسّان وهو يذكر معجزة من معاجز النبي صلّى اللّه عليه وآله:
ففي كفِّ أحمد قد سبّحت          عيونٌ مِن الماء يوم الظمأ
32

وقال كعبُ بن مالك:
فهذا نبِيُّ اللّه أحمدُ سبّحت       صِغارُ الحصى في كفِّه بالترنّم
33

وقال “ورقة بن نوفل” يوم أخبرته خديجةُ بنزول الوحي على النبي صلّى اللّه عليه وآله:
فإن يكُ حقاً يا خديجةُ فاعلمي      حديثك إيانا فاحمدُ مُرسل
ُ34

وقالت عاتكةُ بنتُ عبد المطلب ترثي النبيّ صلّى اللّه عليه وآله:
يا عينُ جُودي ما بقيتِ بعبرة       سحّاً على خير البرية أحمد
ِ35

وقال العباسُ في مناسبة تزويج النبيّ صلّى اللّه عليه وآله بخديجة:
أحمدُ سيّدُ الورى   خيرُ ماشِ وراكِب
36

فترَةُ الرِّضاع في حياة النبي صلّى اللّه عليه وآله:  لم يرتضع وليدُ قريش المبارك “محمّد” من اُمّه سوى ثلاثة أيام، ثم حظِيَت بفخر إرضاعه- بعد ذلك- امرأتانُ هما:

1- “ثويبة” مولاة “أبي لهب”، وقد أرضعته أربعة أشهر فقط، وكان النبيُ صلّى اللّه عليه وآله وزوجتُه الوفية: “خديجة بنت خويلد” يقدّران هذا العمل لها حتى آخر لحظات حياتها37. و”ثويبة” هذه كانت قد أرضعت قبل ذلك “حمزة” عم النبيّ صلّى اللّه عليه وآله و”أبا سلمة بن عبد اللّه المخزومي” أيضاً فكانوا إخوة من الرضاعة38.

وقد بعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله بعد مبعثه، من يشتريها من “أبي لهب” ليعتقها فابى39. وكان النبيّ صلّى اللّه عليه وآله يكرمها كلما دخلت عليه، وكان يبعث إليها بالصّلة إلى أن بلغه خبرُ وفاتها عند منصرفه من وقعة “خيبر” فسأل عن إبنها فقيل: مات قبلها، فسأل عن قرابتها، فقيل: لم يبق منهم أحد40.

2- “حليمة السعدية” بنت ابي ذؤيب التي كانت من قبيلة سعد بن بكر بن هوازن، وكان أولادها عبارة عن: “عبد اللّه”، “أنيسة”، “شيماء”، وقد قامت آخر آولادها وهي “الشيماء” بحضانة النبيّ صلّى اللّه عليه وآله أيضاً: وقد كان من عادة العرب يومذاك هو أن يدفعوا أولادهم الرضعاء إلى المراضع اللائي كُنّ يعِشن في البوادي لينشأوا في تلك البيئات المعروفة بطيب هوائها، وقلة رطوبتها، وعذوبة مائها ببنية قوية، هذا مضافاً إلى صيانتهم عن خطر الوباء الذي كان يهدد الأطفال في “مكة”، ولأن ذلك كان له مدخلٌ عظيمٌ، وتأثيرٌ بليغ في فصاحة المولود لسلامة لغة أهل القبائل الساكنة في البوادي آنذاك.

وكانت مراضعُ بني سعد من المشهورات بهذا الأمر بين العرب، فقد كانت نساء هذه القبيلة التي كانت تسكن حوالي “مكة” ونواحي الحرم يأتين “مكة” في كل عام في موسم خاص يلتمسن الرضعاء ويذهبن بهم إلى بلادهنّ حتى تتم الرضاعة. وكان النبي صلّى اللّه عليه وآله قد تجاوز شهره الرابع لما قدمت نساء من بني سعد “مكة” يلتمسنَ الرضعاء في سنة جدب وقحط، ولهذا كنّ بحاجة شديدة إلى مساعدة أشراف “مكة” واعيانها.

ويقول بعض المؤرخين: أنه لم تقبل أيّةُ واحدة من تلك المراضع أن تأخذ “محمّداً” بسبب يُتمه، وقد كان اغلبهن يُردن أن تأخذن من يكون له أبٌ حيُّ حتى يُغدق عليهنَّ بالمساعدات والصّلات، وحتى “حليمة” هي الاُخرى أبت أخذهُ، ولكنّها أيضاً لم تحصل على طفل لِهزال جسمها، فاضطرت الى أن تأخذ حفيد “عبد المطلب” وقالت لزوجها: واللّه لأذهبنّ الى ذلك اليتيم فلآخذنّه، فقال لها زوجُها: لا عليك ان تفعلي، عسى اللّه ان يجعل لنا فيه بركة. ولقد اصاب الزوجان في ظنّهما هذا، فمنذ أن أبدت “حليمة” استعدادها لخدمة ذلك اليتيم شملت الالطاف الالهية كل مجالات حياتها41.

إن القسم الأول من هذه القصة ليس سوى اسطورة، لأن مكانة البيت الهاشمي الرفيعة، وشخصية رجل عُرف بِكمال الجود والاحسان، وبعون المحتاجين والمحرومين كانت سبباً في أن لا تعرض المرضعات عن اخذ “محمّد” فحسب، بل يتنازعن على اخذه ولهذا لا يكون هذا القسمُ مِن التاريخ سوى اسطورة تكذبها الحقائق.

واما علة عدم اعطاءه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم الى غير “حليمة” من المرضعات فهي: أن وليد قريش لم يقبل أيّ ثدي من أثداء تِلكم المرضعات، ولم يزل كذلك حتى قبل ثدي “حليمة السعدية”، فسرّ بذلك “عبدُ المطلب” وأهله سروراً عظيماً، بعد أن حزنهم امتناعهُ عنهنَّ قبل ذلك42.

قالت “حليمة”: استقبلني عبدُ المطلب فقال: من انت، فقلت: أنا امرأة من بني سعد، قال: ما اسمُك ؟ قلتُ: حليمة، فتبسّم “عبد المطلب” وقال: بخ بخ سعدٌ وحلمٌ، خصلتان فيهما خيرُ الدهر، وعز الأبد43.

نظرةُ الإسلام في تأثير الرضاع:
وهنا ينبغي بالمناسبة أن نشير الى نظرة الإسلام في تأثير الرضاع في شخصيّة الإنسان.

فقد سبق الإسلامُ العلمَ الحديث في الكشف عن آثار اللبن في تكوين الإنسان الخُلقي والنفسيّ والعضوي سلباً وإيجاباً.

ولهذا حثّ الإسلام على استرضاع الام، كما حث على اختيار المرضعات الصالحات ونهى عن استرضاع اليهودية والمجوسية والنصرانية والمجنونة منعاً من انتقال طباعِهن إلى الطفل عن طريق الوليد.

واستكمالاً لهذا البحث نورد جملة من الأحاديث التي تصرح بهذه الحقيقة العلمية الهامة:

1- قال امير المؤمنين علي عليه السّلام: “تخيّرُوا للرضاع كما تخيّرون لِلنِّكاح فان الرِّضاع يُغيرُ الطِّباع”44.

2- وعنه عليه السّلام ايضاً: “اُنظروا من يُرضعُ أولادكُم فإن الولد يشُبُّ عليهِ”45.

3- عن الإمام ابي جعفر الباقر عليه السّلام انه قال: “لا تسترضعُوا الحمقاء فان اللبن يُعدي، وإن الغُلام ينزع إلى اللبن…”46.

4- وعنه عليه السّلام ايضاً: “استرضع لولدك بِلَبن الحِسان وإيّاك والقِباحُ فإنّ اللبن قد يُعدي”47.

5- وعن علي عليه السّلام انه قال: “ما مِن لبن يرضعُ به الصبيُّ أعظمُ بركةً عليه مِن لبنِ اُمِّه”48.


1- طه:40.
2- مريم:16-33.
3- تاريخ اليعقوبي: ج 2 ص 5، بحار الأنوار: ج 15 ص 248- 331، السيرة الحلبية: ج 1 ص 67- 78 وغيرها.
4- وقد ذكر المقريزي في “الامتاع” ص 3 جميع الاقوال في يوم ميلاد النبي وشهره وعامه، فراجع.
5- ومن هنا لا بد من الاعتراف بان ما ينقله ويكتبه الامامية من تفاصيل تتعلق بحياة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم هي أقرب من غيرها الى الحقيقة لأنها مأخوذة عن اقربائه وابنائه عليهم السّلام.
6- الكافي: ج 1 ص 439 أبواب التاريخ باب مولد النبيّ صلّى اللّه عليه وآله ووفاته.
7- قد ذكر الطريحي فقط في مجمع البحرين في مادة شرق قولاً بهذا لم يُسم قائله.
8- مجمع البيان: ج 5 ص 29.
9- التوبة:37.
10- ولقد قام العلامة المجلسي في بحار الأنوار: ج 15 ص 253 بهذه المحاسبة، وان لم يشر الى الإشكال الذي أوردناه فليراجع.
11- الأعراف:157.
12- راجع مفردات الراغب: مادّة عزر.
13- القلم:4.
14- الانشراح:4.
15- فتح المجيد: ص 154، ثمّ نقل عن كتاب قرّة العيون ما يشابه هذا المضمون.
16- راجع مفاهيم القرآن في معالم التوحيد: ص 404- 440.
17- تاريخ الخميس في أحوال أنفس نفيس: ج 1 ص 223 نقلاً عن المواهب اللدنية: ج 1 ص 27 للقسطلاني.
18- هوامش الفتح المجيد.
19- راجع للتوسّع: معالم التوحيد في القرآن الكريم.
20- السيرة الحلبية: ج 1 ص 78 و79.
21- بحار الأنوار: ج 16 ص 120، والسيرة الحلبية: ج 1 ص 78 و79.
22- السيرةُ الحلبية: ج 1 ص 82 ثمّ يذكر صاحب السيرة اولئك الأشخاص في بيتين آخرين.
23- يعتقد البعضُ أنّ هذا ليس اسماً للنبيّ صلّى اللّه عليه وآله بل هو من الحروف المقطعة في القرآن.
24- قال تعالى: “و ما مُحمّدٌ إلا رسولٌ قد خلت مِن قبله الرُّسلُ”. وقال تعالى: “والّذين آمنُوا وعمِلُوا الصالِحات وآمنُوا بِما نُزِّل على محمَّدٍ”. وقال سبحانه: “ما كان مُحمَّد أبا أحدٍ مِن رِجالِكُم ولكِن رسول اللّه وخاتم النّبيّين”. وقال عزّ وجلّ: “مُحّمَّدُّ رسولُ اللّه والّذين معه أشدّاء على الكفار رُحماء بينهُم”.
25- اذ قال سبحانه: “ومُبشِّراً برسُول يأتي مِن بعدي اسمُهُ أحمد”.
26- السيرة الحلبية: ج 1 ص 82 و83.
27- ديوان أبي طالب عليه السّلام.
28- مثل قوله:لعمري لقد كلِفتُ وجداً بأحمد***وأحببتُهُ حُب الحبيب المواصل
زعمت قريشٌ أن أحمد ساحرٌ***كذِبت وربّ الراقصات إلى الحرم
راجع ديوان أبي طالب، وسيرة ابن هشام: ج 1 ص 272، وشرح النهج لابن ابي الحديد: ج 14 ص 79 وغيرها.
29 و30 ابن هشام في سيرته: ج 2 ص 667 و669، وابن سعد في طبقاته: ج 2 ص 323.
31 شاعر عهد الرسالة: تحقيق محمّد عزت نصر اللّه.
32 و33 بحار الأنوار: ج 16 ص 413 و415.
34- بحار الأنوار: ج 18 ص 195.
35- الطبقات الكبرى: ج 2 ص 326.
36- بحار الأنوار: ج ص 72.
37- تاريخ الخميس في احوال انفس نفيس: ج 1 ص 222.
38- السيرة النبوية: ج 3 ص 96.
39- الكامل في التاريخ: ج 1 ص 271.
40- تاريخ الخميس: ج 1 ص 222- 225 نقلاً عن سيرة مغلطاي وغيره.
41- السيرة النبوية: ج 1 ص 162 و163.
42- بحار الأنوار: ج 15 ص 342 و343.
43- السيرة الحلبية: ج 1 ص 89.
44- قرب الأسناد: ص 45.
45- فروع الكافي: ج 2 ص 93.
46- وسائل الشيعة: ج 15 ص 188.
47- التهذيب: ج 2 ص 280.
48- روضة المتّقين: ج 8 ص 554.

المصدر: شبكة المعارف الإسلامية

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق