أدب وشعر

يقين التنور

إلى الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) في ذكرى شهادته

هارون المكيُّ .. شيعيٌّ صميمٌ ممن رباهم مولانا الإمام جعفر الصادقِ (عليه السلام) فأحسن تربيتهم وأحسنوا ولاءهم.

وقد قدِّر له أن يكون سبيل الإمام لاختبار رجلٍ دعاه للثورة واستلام الحكم من العباسيين.. فطلب منه الإمام الجلوس في تنور النار .. فصرخ في وجهه وهو خائف مذعور .. لا تحرقني بالنار .. أقلني يا ابن رسول الله.

وفي الأثناء، مرَّ هارون المكي وهو كفيف البصر، فطلب منه الإمام أن يجلس في التنور، فخلع نعليه وجلس بطمأنينة العاشق المتوكل الواثق بقول إمامه ولم يصبه شيء.

فأمره الإمام بالخروج .. وسأل من دعاه للثورة .. كم لديك من أمثال هارون .. قال: لا أحد .. فقال: حين تملك بعدد أنصار الحسين أمثال هارون المكي اطلب مني ما طلبت وسألبي طلبك. (1)

لـيـتـنـي مـن يـقـيـنِ هـارونِـهـا الـمـكِّـيِّ لـمَّـا دعـاهُ لـلـنارِ جعفرْ

راحَ صـوبَ الـتـنّـور أجـلسَ جسماً *** فوق نارٍ وقال لا أتخيَّرْ

هو “كنْ” أَمرُهُ أنا من “يكون” الطاعة الفور حيث أدعى وأُؤْمرْ

حيث فارَ التنّور أدركـتُ طـوفـانـاً لـنـوحٍ والـفـلـكُ بـالآلِ أبـحرْ

ونـجـاتـي فـي الـنـارِ تـقـدمـة أولـى عـلـى جـنَّـةٍ بها العبدُ يؤجرْ

مثلُ هـارون نـادرٌ كـصـحـابٍ لـحـسـيـنٍ والـعـشـقُ قد كان أندرْ

وهـو أعمى في الـنـار كشَّفَ أبصاراً وفي النار إن شئتَ أبصرْ

لـيـتـنـي كـنـتُ مـثـل هـارونَـهـا الـمكِّـيَّ عـنـد الطلابِ لا أتأخَّرْ

غـيـرَ أنِّـي مـا زلـتُ لـم أخـتـبر نـفـسـي ولائـي .. وما كانَ قدَّرْ

إنَّ لي الشعرُ دائماً فـي اخـتـباري وأنـا عـنـه بـالـوشـاية أخـبـرْ

فوقَ ذا .. إنَّـنـي لأخـشى يـقـيني جَلَدِي أن أقول: لا لستُ مجبرْ

الـولاءُ الـولاءُ يــا جـعـفـر الـصـادقِ تـدبـيـرنـا الـذي مـا تـدبَّـرْ

الولاء الولاء .. لا سيفَ ينبو *** إنـما العقلُ .. ما إذا ريدَ أدبرْ

من بقايا هارون . تنَّورَ رشدٍ أبيضِ البوح .. واللظى كانَ أحمرْ

فيه شيءٌ من الجنون احتساباً *** وعـلـى الـمـدعـيـن للثأر أشَّرْ

الزموا النار مثل هارون إبراهيمَ وكـونوا المقاسَ من نعل قمبرْ

تـسـتـطيعون بعدها حين تضري نار حـربٍ قولاً .. أنْ الله أكبرْ

ذاك قـولٌ فـي مـسندِ الفعل ينمى *** ليقين التنُّورِ ما كانَ سطَّرْ

ويـقـيـنُ الـتـنُّـورِ فـارق حـبٍّ *** مـن جـلاءٍ وآخـرٍ لا يُـصـوَّرْ

ولقد ماتَ جعفرٌ وهو يبكي *** لحسينٍ من صـحبـةٍ دون مخبرْ

تطلبُ السيفَ من بريقٍ بوهمٍ *** وكـأنَّ الـسـيفَ الملوِّحَ منظرْ

فإذا ما دعـوا إلـيـهـا تـنـادي *** أنْ أقـلنـي يا ابن النبيِّ سأعثرْ

أيـنـهـا مـن دعـاةِ قـتـلةِ ألفٍ *** مع سبطِ الهدى لتذرى وتنشرْ

حين فارَ التنُّورُ قل فارَ علم الآل والـغـيـبُ ذلـك الغـيبُ مصدرْ

مـا مـآلاتُ مـدَّعٍ يـتـبـارى *** مـا مـآلاتُ صـادقٍ لـيـس يفخرْ

دون سيفِ الكرامِ قدَّ سـمُّ طـهـرٌ وإذ الـسـمُّ صـارَ مـمـن تتطهَّرْ

راحـلٌ جـعـفـر وأبـقـى لـعـلـمٍ *** والذي يـطلبُ السيوفَ تبخَّر

………………………………………………

1 ــ مناقب آل أبي طالب / ابن شهراشوب ج 3 ص 362 / بحار الأنوار – العلامة المجلسي ج ٤٧ ص ١٢٣

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى