مقالات

حد السلامة

قال الإمام محمد بن علي الجواد(عليه السلام): وثلاث من كن فيه لم يندم: ترك العجلة، والمشورة، والتوكل عند العزم على الله عز و جل .

تقسم القوانين بصورة عامة إلى قسمين؛

قوانين إلهية وقوانين وضعية ويلاحظ على القوانين الوضعية أنها تراعي البعد المادي في الإنسان ولا تنظر وتنفذ إلى البعد المعنوي فيه والذي هو مصدر طاقاته والتي هي المبادئ الأولى في انفعالاته وتحركاته فالقوانين هذه مصممة لتعبئ الجانب المادي منه بخلاف القوانين السماوية فإنها تشمل البعدين في الإنسان فهي تضع للجانب المادي منه قوانين وأحكام إن أتخذها منهجا كانت كافية في تدبير البدن ورفع الأضرار عنه، وتقنن للجانب الروحي قوانين تحفزه من خلالها حتى تصبح رؤيته واسعة تمكنه من استشراف الآفاق، يبصر ما تفضي إليه المقدمات من نتائج. وقد رعى الإسلام موازنة هذين البعدين، فالاعتدال أمان من طغيان جانب على أخر وقد قنن القرآن الاعتدال و ذم تركه قال تعالى: (فما رعوها حق رعايتها) وهذا المقطع جزء من آية ذكرت الرهبانية التي حسبها أولئك أنها الزهد, ولو استقاموا وأعطوا حقه واستحقاقه لكانت حسنة لهم ولكنهم أفرطوا وزادوا على أنفسهم بأن حرّموا على أنفسهم الزواج, وانزووا عن مجتمعاتهم وأهملوا رعاية مجتمعاتهم, وركنوا في الصوامع والأديرة وهؤلاء مالوا بجانب الروح عن استحقاق البدن, وهو ما نهى الله جل جلاله عن فعله قال تعالى: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) ففي الآية استفهام استنكاري عن تحريم المأكل والمشرب والملبس والمنكح، ثم أمر المولى جل جلاله النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) بإخبار الناس أن هذه الأشياء هي بالأصل للذين أمنوا في الحياة الدنيا, ومنه يتبين أن القوانين السماوية تنظر في أحكامها للبعدين في الإنسان وحدودهما ففي بعض أحكامها تلزم أو تمنع أو تجيز على نحو الأفضلية أو الكراهة أو الإباحة, وكلها تعنى بجوانب الإنسان وفي كلام الإمام الجواد (عليه السلام) توجيه من أجل بناء سمة نفسية متزنة للشخصية الإسلامية المؤمنة حيث أن العجلة طابع غير مرضي وهو يفصح عن اضطراب في الشخصية القلقة بخلاف التأني الذي هو صفة من صفات الشخصية المتزنة التي تدير الأمور برفق والتي من خلالها تكون السلامة. فإن السلامة تأتي من خلال إمعان العاقل بالنتائج إذا أراد الإقدام على عمل ما, فيتأمله من خلال مقدماته وشرائطه وعواقبه وآثاره تأملاً عميقاً حتى يكون على بصيرة من غرضه ومرماه، وقد جاءت تصريحات الشارع المقدس في الكتاب والسنة لتعزز القناعات لهذه السمة لتؤكد الطابع المرضي في السلوك الإنساني، أما لو استعجل الإنسان واندفع في تحصيل المنافع الشخصية بسبب نظرة سطحية وفوّت على نفسه النظرة العميقة الشاملة في تشخيص خيره الحقيقي ومنفعته الواقعية ضاع عليه وجه الحقيقة واضطرب ميزان الخير والشر عنده, وقد يصل إلى أن يطلب الشر لنفسه بحسبان أنه الخير, وما أعظمها خسارة حين تنقلب الموازين عند الإنسان. ففي آيات وروايات كثير تأتي التوصيات بعدم التعجل لأنها صفة تقترن بعدم النظر في عواقب الأمور مما تجر الشخصية إلى متاعب مختلفة, بخلاف التأني في الأمور الذي يوجب السلامة وعليه فإن أفضل طريق لوصول الإنسان إلى السعادة، هو أن يكون في كل خطوة يخطوها و موقف يتخذه على غاية قصوى من الدقّة، و أن يتجنب العجلة، و يدرس الموقف من جميع الجوانب، و يترك الأحكام المتعجلة الممزوجة بالهوى و الرغبة الذاتية بالحكم العاطفة، وأن يستعين بما منّ الله عليه من عقل وما تجهز به من حقيقة ظهرت له على يد المصلحين الإلهيين وما ورثه من تجارب شخصية وغيرية. و الركيزة الثانية من ركائز السلامة فنقول: أن الإنسان مهما كان قويا في فكره و بعيدا في نظره ما لم يكن مسددا من قبل الباري عز وجل، إلا أنه قد ينظر للأمر من زاوية واحدة، و عندها ستختفي عنه الزوايا و الأبعاد الأخرى, وهناك بَعد آخر في المشورة فإن من أسباب تماسك الأمة إن إدلائهم بآرائهم يشعرهم بالمسؤولية في تطبيق ما شاركوا فيه والدفاع وعدم التخاذل والانهزام أو الاتكال و اللامبالاة فيما يعرض على الأمة, وذلك لأن المشاورة هي دعوة عملية للوحدة, وهي دعوة ملزمة من جانب الوجود الذاتي للإنسان في المساهمة فيما أشار إليه. أن المشورة ما هي إلا تقويم العقول للعقول والتجارب للتجارب, فإن انضياف وتراكم الخبرات يؤدي إلى تقليل العيوب والنواقص وضعف احتمال الخطأ في النتائج, وفيه دلالة واضحة على شدة الحرص وفرط التدبر والاهتمام لما سيكون وعند تحري التأريخ نرى أن كثيراً من الأقوام البشرية قد حل بهم البوار، وتمزقوا شر ممزق نتيجة الاستبداد بالرأي, وكم رأينا في التأريخ حكاماً، عرّضوا شعوبهم لمصائب أليمة و ويلات، نتيجةً لضعف رؤاهم, وكم يوجد من أمراء و قيادات عسكرية متعنتة، عرضوا حياة جنودهم للخطر الفادح، بسبب استبدادهم بالرأي وعدم المشورة, ورد عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) قال: ما من رجل يشاور أحدا إلّا هدي إلى الرشد. من نستشير؟ لم يترك القادة الهداة مسألة المشورة أمراً نظرياً نقرأه في كتب الأخلاق والتربية نعرف آثاره ولذته بل أرادوا منا تطبيق هذا المفهوم عملياً في سلوكنا وحتى لا نخطئ في التطبيق أعلمونا بمن نتصل ونستشير, فإن من رجاحة العقل الإصغاء والأخذ بقول المشير ومن سفاهة العقل عدم الإصغاء وهي صفة الجاهل الذي تأخذه الحمية ظناً منه أن المشير يتتبع عيوبه ويكشفها وقد فاته أن انكشاف العيوب مقدمة لإصلاحها, ولاختصار الكلام ننقل هذه الرواية لمعرفة من نستشير، عن الحلبي ، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن المشورة لا تكون إلا بحدودها الأربعة فمن عرفها بحدودها وإلا كانت مضرتها على المستشير أكثر من منفعتها، فأولها أن يكون الذي تشاوره عاقلا، والثاني أن يكون حرا متدينا، والثالث أن يكون صديقا مواخيا، والرابع أن تطلعه على سرك فيكون علمه به كعلمك ثم يسر ذلك ويكتمه، فإنه إذا كان عاقلا انتفعت بمشورته، وإذا كان حرا متدينا أجهد نفسه في النصيحة، وإذا كان صديقا مواخيا كتم سرك إذا أطلعته عليه، فإذا أطلعته على سرك فكان علمه كعلمك تمت المشورة وكملت النصيحة . الركيزة الثالثة التوكل عند العزم على الله عز وجل: التوكل صفة معلولة للإيمان وهي حالة فاضلة للقلب توجب توكيل العبد ربه في جميع الأمور لاعتقاده بأن كل ما في الوجود تابع لأمره جل وعلا والتوكل يوجب الانقطاع عما سوى الله لأنه القادر على جميع مقدورات ولأنه الحكيم الذي يضع كل شيء في مكانه ويضع كل ما يصلح للعبد ويرفع عن الصعب ويسهله ويقرب البعيد. أن التوكل هو الجذوة والقبس الذي يحرق اليأس في الإنسان فالإنسان وهب استعداداً عالياً في طبيعته أهلته لأن يكون محل الرسالة السماوية ويصيح خليفة في الأرض وقائداً، وهو أن استسلم اليأس أصبح مخلوق ضعيف وخارت قواه واستبدل مكانه الذي مكنه الله فيه والقرآن قد دعا في كثير من الآيات إلى هذا المعنى السامي ودفع أتباعه إلى التزود منه في مواجهة الحياة. هذه الركائز الثلاث التي من اتخذها سلم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى