مقالات

من دروس يوم الغدير وعبره

الحمد لله ربّ العالمين، والصَّلَاة والسَّلَام على أشرف الخلق والمُرسَلِين، أبي القاسم مُحَمَّد وآله الطَّيِّبين الطَّاهِرِين، أما بعد:

فإنَّ من أهم المناسبات الدينية التي يحتفل بها الشّيعة، هي: مناسبة (عيد الغدير) المباركة، وهي يوم تنصيب أمير المؤمنين (عليه السَّلَام) إمامًا للأمة الإسلامية وخليفة لرسول الله (صلَّى الله تعالى عليه وآله)، إذ يحتفل الشيعة في إحياء ذكرى البيعة لأمير المؤمنين (عليه السَّلَام) في يوم الثامن عشر من ذي الحجة عام عشرة للهجرة النَّبويّة المباركة. وفي هذه المناسبة يجددون البيعة لأمير المؤمنين (عليه السلام) . وهذه الحادثة فيها كثيرٍ من الدروس والعبر يمكن أن نستذكر منها ما يلي، وقبل ذلك نعرِّج على ذكر الوحي الآمر بالتبليغ:

نزول الوحي بالأمر وتبليغ الرسول (صلَّى الله تعالى عليه وآله) بأمر الولاية:

 نزل الوحي بالأمر الإلهي أن يا رسول الله بلِّغ وعرِّف بمن يستخلف من بعدك ليكون حافظًا للدين والعقيدة، ومنفذًا لأحكامه، معصومًا من كل ذنب، ثمَّ أمره بأن ينص على أمير المؤمنين عَلِيّ بن أبي طالب (عليه السَّلَام) في يوم غدير خم، يخلفه بعده (صلَّى الله تعالى عليه وآله) في أمر الأمة، فقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾[1].

فقام الرَّسول الأكرم مُحَمَّد (صلَّى الله تعالى عليه وآله) بأمر التبليغ يوم غدير خم حين رجع من حجة الوداع، بتنصيب الإمام عَلِيّ (عليه السَّلَام) إمامًا وأميرًا على النَّاس، بعد أن جمع الناس ونصب الرجال ورقى إليها وخطب ووعظ وزجر ونعى إلى الخلق نفسه، ثم قررهم على فرض طاعته[2]، فخطب بالملأ، معلنًا أمر الولاية المباركة لأمير المؤمنين (عليه السَّلَام) رافعًا يده الشَّرِيفة، قائلًا: (من كنت مولاه، فهذا عليّ مولاه، اللهمَّ والِ من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله)[3].

وبهذا النص قدّم رسول الله في يوم الغدير للناس وللتاريخ شخصاً كانت كل المعايير الإسلامية قد تجلّت فيه، شخصًا مؤمنًا يتمتّع بأعلى درجات التقوى والورع والتضحية في سبيل الدين، راغبًا عن الدنيا، مجرّبًا في الشدائد وممتحنًا في سائر العرصات والميادين الإسلامية، ميادين الخطر وميادين العلم والمعرفة وميادين القضاء وغيرها.

الدروس المنتقاة من يوم الغدير:

إنَّ مناسبة غدير خم تنطوي على دروس وعبر كثيرة ومهمّة للغاية، منها بيان فضائل أمير المؤمنين (عليه السَّلَام) للناس سواء كانوا من المحبين – فإنَّهم قد أضافت لهم هذه المناسبة دراية أكثر بفضائل الوصي (عليه السَّلَام) – أم من المبغضين المناوئين له (عليه السَّلَام).

ومنها بمثابة درس في الصّلح والتَّقوى والإيمان، فلا بدّ لنا أن نستلهم في الدرس من الغدير في إدارة شؤوننا في حياتنا العملية والعلمية، ولا شكّ أنّ القدرة الإلهية ستكون خير عون لنا في ذلك.

فعن طريق تنصيب أمير المؤمنين (عليه أفضل الصَّلَاة والسَّلَام) حاكماً وإماماً وولياً على الأمة الإسلامية كان لا بدَّ للمسلمين من أن يفهموا، وعلى مدى الأزمان، أنَّ الحاكم الإسلامي لا بدَّ أن يكون شخصاً مماثلاً للأنموذج العلوي أو قريباً منه.

ولذلك فمن لم تتجسد فيه تلك المعايير، من علم إسلامي وعمل إسلامي وإنفاق وعفو وحلم وتواضع لله تعالى، وغير ذلك من السمات التي حوتها شخصية أمير المؤمنين عَلِيّ بن أبي طالب (عليه أفضل الصَّلَاة والسَّلَام)، فهو غير لائق بالحكومة والخلافة.

وعلى إثر ذلك نستطيع القول: إنَّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله  وسلَّم) وضع هذه المعايير بين يدي أمّته، ليكون لهم بمثابة درس لا ينسى، لاختيار من يمثلهم في إدارة شؤون الأمَّة.

بتبليغ الرَّسول (صلَّى الله عليه وآله) اكتمل الدين:

عن ابن عباس، وحذيفة، وأبي ذر وغيرهم، أنَّهم قالوا: والله، ما برحنا من مكاننا ذلك حتى نزل جبرئيل بهذه الآية عن الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً﴾[4]. فقال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): (الله أكبر على إكمال الدِّين، وإتمام النّعمة، ورضاء الرَّبّ سبحانه وتعالى برسالتي إليكم، والولاية لِعَلِيّ بن أبي طالب بعديّ)[5].

وقد أشار إلى ذلك شاعر النبي الأكرم، حَسَّان بن ثابت، الذي انبرى فاستأذن النبي (صلَّى الله عليه وآله) أن يقول في حادثة الغدير شعرًا، فأذن له، فقال حَسَّان:

يناديهم يوم الغدير نبيهم * بخم وأسمع بالرسول مناديًا.

فقال : فمن مولاكم ووليكم * فقالوا : ولم يبدوا هناك التعاديًا.

إلهك مولانا ، وأنت ولينا * ولم تر منا في المقالة عاصيًا.

فقال له : قم يا علي فإنني * رضيتك من بعدي إماما وهاديًا.

فمن كنت مولاه فهذا وليه * فكونوا له أنصار صدق مواليًا.

هناك دعا اللهم وال وليه * وكن للذي عادى عليا معاديًا[6].

وفي الختام نقول: إن كل ما تقدم من كلام حول مناسبة يوم الغدير، فهذا ما هو إلا الشيء اليسير، فجعلنا الله تعالى وسائر المؤمنين من الثابتين على حبّ النَّبيّ والوصي وآلهما (صلوات الله تعالى عليهما وآلهما) والولاء لهم إنَّه سميعٌ مُجِيب…

الهوامش:

[1] المائدة: 67.

[2] يُنظر: الرَّسائل العشر، الشيخ الطُّوسيّ: 133.

[3] شرح الأخبار، القاضي النعمان المغربي: 1/101.

[4] المائدة: 3.

[5] شرح إحقاق الحق، السَّيِّد المرعشي: 3/322

[6] خصائص الأئِمَّة (عليهم أفضل الصَّلَاة والسَّلَام)، الشَّرِيف الرَّضِيّ: 43.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى